تقارير وحوارات

الأسير يحيى مرعي.. شابٌ سرق الاحتلال سنوات شبابه بحكم المؤبد

في الوقت الذي ينام فيه العالم، تبقى قلوب أمهات الأسرى معلقة خلف أبواب السجون، تحمل أسئلة لا تجد إجابات، وقلقًا يتجدد مع كل يوم غياب.
ثلاث سنوات من انقطاع زيارات الأهالي للأسرى عمّقت شعور العجز لديهم، فأصبح تخيل ما يعيشه أبناؤهم خلف القضبان حملًا ثقيلًا على قلوبهم. يتابعون أخبار الأسرى الذين يخرجون بعد أشهر، ويرون آثار السجون على أجسادهم، فيزداد خوفهم على أبنائهم الذين لا يعرفون عن أوضاعهم إلا القليل.
كانت الزيارة مساحة تمنح الأمهات فرصة للاطمئنان، يخبئن خلالها لأبنائهن شيئًا من الحنان والكلمات المطمئنة والنظرات التي تخفف قسوة الأسر، إلا أن غياب هذا الحق منذ السابع من أكتوبر ترك عائلات الأسرى أمام انتظار طويل وأسئلة مفتوحة.
أما عائلات أصحاب الأحكام المؤبدة، فتحمل وجعًا من نوع آخر؛ فالأمر يتعلق بعمر كامل خلف القضبان، وحكم لا يُعرف موعد نهايته، وسط مخاوف من تهديدات الاحتلال بحقهم واستمرار احتجازهم رغم أي صفقات تبادل.
رسالة أم لا تصل
في منزل الأسير يحيى محمد عوض مرعي (24 عامًا) من بلدة قراوة بني حسان بمحافظة سلفيت، وجدت والدته وسيلة وحيدة للتواصل معه؛ الدعاء والكتابة.
تخاطبه في خواطرها قائلة:
“كيف تنام يا بني؟ ماذا تأكل؟ هل أنت عطشان؟ هل لديك دواء؟ هل اشتقت لطعامي الذي كنت أعده لك؟ أشعر بك وبوجعك، لكني لا أملك لك شيئًا. أعرف أن جسدك متعب وهزيل بسبب قلة الطعام والنوم على فراش رقيق، وأعرف أنك لم تغير ملابسك منذ مدة. لا أستطيع الوصول إليك، لا أستطيع سماع صوتك أو لمسك، ولا نملك إلا أن نلجأ إلى الله”.
هذه الكلمات تبقي أم يحيى على قيد الصبر، وهي تعد أيام اعتقاله وشهوره وسنواته، وتتساءل كيف أصبح شكل ابنها بعد ثلاث سنوات من الغياب.
حتى زيارات المحامين، حين تتحقق بعد انتظار طويل، لا تمنحها الإجابات التي يبحث عنها قلبها.
وتقول عائلة الأسير يحيى مرعي في حديثها لمكتب إعلام الأسرى:
“يحيى قلق علينا وحزين بسبب عدم تواصلنا معه بشكل دائم، فهو لا يعلم أننا لا نملك أخبارًا جيدة نخبره بها. لا نريد أن ننقل له أخبارًا تزيد قلقه علينا، كما أنه لا يخبرنا إلا بالأخبار الطيبة حتى لا يؤلمنا”.
وتضيف العائلة: “علمنا عن طريق أسير محرر أنه أصيب قبل نحو 6 أشهر بمرض الجرب (السكابيوس)، وكان المرض يحرمه من النوم، لكنه أخفى ألمه حتى لا يزيد خوفنا عليه. كما نفكر به، هو يفكر بنا”.
من الجامعة إلى المؤبد
كان يحيى شابًا هادئًا، وُلد بتاريخ 16/6/2002، واعتقل في عمر 19 عامًا. كان يدرس الهندسة في جامعة النجاح الوطنية، وأنهى عامه الدراسي الأول وكان يستعد لبدء عامه الثاني، قبل أن يداهم الاحتلال حياته في 29/4/2022 ويبدأ معه فصل جديد من المعاناة.
اتهم الاحتلال يحيى مرعي وابن خالته الأسير يوسف سميح عاصي بتنفيذ عملية في مستوطنة أرئيل قرب سلفيت عام 2022، والتي أسفرت عن مقتل حارس مستوطنة.
ولم يكن اعتقالهما اعتياديًا؛ إذ اقتحمت نحو 40 آلية عسكرية بلدة قراوة بني حسان، واعتقلت الشابين، مع مداهمة منازل عائلتيهما والتحقيق مع أفرادها.
لاحقًا، صدر بحق الأسير يحيى مرعي حكم بالسجن المؤبد إضافة إلى 35 عامًا، كما هدم الاحتلال منزله بتاريخ 26/7/2022.
منذ ذلك اليوم تغيرت حياة يحيى وعائلته، وتحول حلم الجامعة إلى سنوات طويلة خلف القضبان.
أسرار تصل عبر المحررين
قبل نحو شهر، نقل الاحتلال الأسير يحيى مرعي من سجن نفحة إلى سجن ريمون، فيما لا تزال عائلته عاجزة عن استيعاب خبر اعتقاله والحكم الصادر بحقه.
تلقى يحيى خلال مراحل صفقة “طوفان الأحرار” خبرًا مضللًا بأنه سيحصل على حريته، وهو ما زاد ألم العائلة حين تبين عدم صحة ذلك.
اليوم، تصل أخبار يحيى عبر الأسرى المحررين الذين التقوا به داخل السجون. تعرف عائلته أنه فقد نحو 15 كيلوغرامًا من وزنه، ليصل إلى 49 كيلوغرامًا، وأنه أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا.
تقول والدته:
“رزقت به بعد معاناة طويلة، وما زلت لا أصدق ما يحدث. أعلم أنه لا يملك منذ سنوات سوى ملابس قليلة، وأن الطعام الذي يأكله سيئ كماً ونوعًا، وأنه لا يرى الشمس ولا يستنشق الهواء كما ينبغي. الجميع تفاجأ باعتقاله وحكمه المؤبد، فهو كان هادئًا، وكل من عرفه لا يصدق ما حدث”.
مؤبد يطال العائلة
خلال سنوات اعتقال يحيى، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياة أسرته؛ تزوجت شقيقاته، وتوفي جده، وأحداث كثيرة مرت دون أن يكون حاضرًا أو يعلم بها.
تؤكد عائلته أن حرمان الأسرى من الزيارات ومعرفة أوضاعهم يمثل معاناة إضافية للأسر، ويطالبون أصحاب الضمائر الحية بالتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قضية الأسرى أصحاب الأحكام المؤبدة.
فخلف كل حكم مؤبد، عائلة تعيش انتظارًا مفتوحًا، وأمًا تحمل أسئلة لا تجد طريقها إلى ابنها.

زر الذهاب إلى الأعلى