محمد ذرة.. 23 عاماً خلف القضبان، وأمٌّ تنتظر عناقه وزوجةٌ تحلم بحياة لم تبدأ

منذ اعتقاله في مقتبل العمر، يعيش الأسير محمد ذرة فصول حكاية طويلة من الغياب والفقد والانتظار؛ سنواتٌ مضت خلف القضبان، غاب خلالها عن وداع والده، وشهدت هدم منزل عائلته، فيما بقيت والدته وزوجته تتمسكان بالأمل في يومٍ يعود فيه إلى حضن العائلة، ويسترد حقه في حياةٍ حُرم منها طويلاً.
لم يكن محمد مصطفى محمد ذرة يعلم، حين اعتُقل في التاسع عشر من عمره، أن سنوات شبابه ستمضي خلف القضبان، وأن الأحلام التي كان يرسمها لحياته ستتحول إلى مواعيد مؤجلة، وأن لقاءاته بأحبائه ستصبح أمنيات معلّقة على أبواب السجون. فمنذ 15 أيلول/سبتمبر 2003، يعيش ابن مدينة قلقيلية رحلة أسر ممتدة، يواجه خلالها حكماً بالسجن المؤبد إضافة إلى 15 عاماً، فيما تواصل عائلته رحلة موازية من الصبر والانتظار.
23 عاماً من الغياب.. وعمرٌ يمضي بعيداً عن أهله
كان محمد، قبل اعتقاله، شاباً محباً للحياة، عصامياً منذ طفولته، عمل في أحد مشاتل قلقيلية، ثم امتهن الحلاقة، قبل أن تقوده مسيرته إلى الاعتقال. وبعد نحو عامين من اعتقاله، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد إضافة إلى 15 عاماً، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، عنوانها الحرمان من الحرية والابتعاد القسري عن العائلة.
وفي الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 2005، هدمت قوات الاحتلال منزل عائلته، في واقعة زادت من قسوة المحنة التي عاشتها الأسرة. وفي تلك الفترة، كان محمد يواجه تبعات الحكم الثقيل، حتى إنه طلب من محاميه ألا يبلغ عائلته بالحكم في اليوم نفسه، وفق رواية العائلة، محاولاً أن يتحمل وقع الخبر قبل أن يصل إلى أحبائه.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد سنوات الأسر مجرد مدة زمنية تُحسب، بل تحولت إلى أعوام من الغياب عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن البيت الذي لم يعد كما كان، وعن المناسبات العائلية التي مضت من دونه.
رحيل الأب.. وجعٌ لم يستطع الأسر أن يمحوه
في السابع عشر من نيسان/أبريل 2015، تلقى محمد فاجعة وفاة والده، بعدما أمضى سنوات طويلة بعيداً عن عائلته. لم يتمكن من وداعه أو الوقوف إلى جانب أسرته في لحظة الفقد، فكان عليه أن يعيش حزنه خلف القضبان، بعيداً عن البيت الذي كان يحتاج إليه في تلك اللحظات أكثر من أي وقت مضى.
لم يكن غياب الأب خسارة شخصية فحسب، بل كان ألماً مضاعفاً لأسير حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية في مشاركة عائلته أحزانها وأفراحها. وبينما كانت الأسرة تحاول التعايش مع الفقد، ظل محمد بعيداً، يحمل ذكرياته وأوجاعه في مساحة لا تتسع إلا للصبر والانتظار.
ورغم قسوة التجربة، واصل محمد مسيرته داخل الأسر، وشارك في إضراب الكرامة عام 2017، الذي خاضه الأسرى الفلسطينيون للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف احتجازهم.
الكتاب والدراسة.. محاولات لصناعة الحياة خلف القضبان
لم يستسلم محمد لسنوات السجن كي تتحول إلى زمن خالٍ من الأحلام. فقد اتجه إلى القراءة والتعلم، وشارك عام 2018 في دورات تناولت القانون الدولي وحقوق الإنسان والصحافة، إلى جانب برامج تدريبية أخرى.
ومع مرور الأعوام، ظل التعليم نافذة يطل منها على حياة مختلفة، بعيداً عن واقع السجن وقيوده. وواصل دراسته في تخصص الخدمة الاجتماعية في جامعة القدس المفتوحة، ساعياً إلى تطوير نفسه علمياً، ومتمسكاً بطموح مواصلة التعليم مستقبلاً.
كما حافظ على اهتمامه بالرياضة، محاولاً تنظيم يومه والاستفادة من وقته، رغم الظروف الصعبة التي يفرضها الأسر.
وبين الكتب والدراسة والرياضة، تتجلى محاولة إنسانية للحفاظ على الذات، والإبقاء على مساحة من الحياة في مكان تحكمه القيود، حيث لا يستطيع الأسير اختيار موعد حريته، لكنه يحاول أن يختار كيف يقضي أيام انتظاره.
أمٌّ تمدّه بالصبر.. وزوجةٌ تنتظر اكتمال الحلم
خلف حكاية محمد، تقف والدته التي تستمد منها روحه جانباً من قوته، وزوجته التي اختارت الارتباط به عام 2019، رغم معرفتها بثقل حكمه وطول الطريق الذي يفصل بينهما.
لم يكن قرار الزواج بالنسبة إليها طريقاً سهلاً، بل اختياراً لحياةٍ تُبنى على الأمل، رغم الغياب الذي يفرضه السجن. فمنذ ذلك الوقت، تعيش الزوجة انتظاراً مختلفاً، تحاول فيه أن تُبقي تفاصيل المستقبل حاضرة، وأن تهيئ بيتاً يجمعهما حين تتاح له فرصة العودة.
تقول زوجته، إن محمد يحب الحياة، وإنه ظل متمسكاً بأمل الحرية رغم مرور السنوات. لكن انقطاع الزيارات وصعوبة الحصول على الأخبار جعلا الاطمئنان عليه أمراً شاقاً، في ظل محدودية التواصل مع الأسرى داخل السجون.
وبينما تمضي الأيام، تحاول الزوجة أن تتخيل تفاصيل اللقاء الأول: بيتاً يجمعهما، وحديثاً طويلاً عن سنوات الغياب، وحياة يومية لم تتح لهما فرصة بنائها معاً. أحلام تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة إلى عائلة أسير أمضى عقوداً خلف القضبان تمثل حقاً مؤجلاً في الاستقرار والحياة.
من سجن إلى آخر.. والانتظار لا ينتهي
تنقل محمد خلال سنوات اعتقاله بين عدد من السجون، من بينها ريمون وجلبوع وإيشيل ونفحة، وواجه مشقة التنقلات المعروفة بين المعتقلات، بما تحمله من إرهاق جسدي ونفسي، وفق رواية عائلته.
وقد تحدثت زوجته في إفادات سابقة عن وجوده في سجن نفحة، حيث صعّبت ظروف الاحتجاز وانقطاع الزيارات معرفة أخباره. وتشير المعلومات الواردة في ملفه إلى أنه تنقل بين أكثر من سجن خلال سنوات أسره الطويلة، فيما لا تتوافر هنا إفادة مستقلة تحسم مكان احتجازه الحالي.
ولا تقتصر المعاناة على الأسير وحده؛ فالعائلة التي تنتظر خبراً أو اتصالاً تعيش بدورها تحت وطأة القلق، وتظل تفاصيل حياة ابنها غائبة عنها، فلا تعرف على وجه اليقين كيف يمضي أيامه، ولا متى ستتاح لها فرصة لقائه.
الحرية المؤجلة.. وبيتٌ ينتظر صاحبه
أكمل محمد ذرة في 15 أيلول/سبتمبر 2026 عامه الثالث والعشرين في الأسر، وبدأ عامه الاعتقالي الرابع والعشرين، بعدما دخل السجن شاباً في مقتبل العمر، وها هو يواصل حياته خلف القضبان فيما تجاوزت سنوات انتظاره عقدين كاملين.
وبالنسبة إلى والدته وزوجته، لا تُقاس السنوات بالأرقام وحدها، بل بأعياد مرت من دونه، ومناسبات لم يشاركهما تفاصيلها، وأحلام ظلت معلقة على موعد لا تعرفان متى يحين.
إنها حكاية أسير لم تتوقف حياته عند باب السجن، بل امتدت إلى حياة عائلته التي تواصل الانتظار، وإلى زوجة تحاول أن تحفظ للمستقبل مكاناً في قلبها، وأم تتشبث بأمل اللقاء بعد طول فراق.
وبين حكم المؤبد وسنوات الغياب، يبقى حلم محمد وعائلته بسيطاً في جوهره: أن يُفتح الباب يوماً، وأن يعود إلى بيت يجد فيه وجوه أحبائه، وأن يبدأ مع زوجته فصلاً من الحياة لم تتح لهما السنوات الماضية فرصة عيشه.
حتى ذلك اليوم، تواصل العائلة عدّ الأيام، لا لأن الانتظار سهل، بل لأن الأمل هو ما يمنحها القدرة على مواصلة الطريق.




