تقارير وحوارات

مها رفاعي.. أسيرة تكابد المرض والألم داخل سجن الدامون

لم تكن الأسيرة الفلسطينية مها عبد الرحمن الرفاعي، البالغة من العمر 55 عامًا، تتوقع أن تتحول سنوات عمرها إلى معاناة يومية خلف القضبان، وأن تجد نفسها في مواجهة المرض والألم، محرومة من العلاج والراحة، داخل سجن لا تجد فيه حتى مساحة كافية لتخفيف أوجاع جسدها.

منذ اعتقالها، تعيش مها ظروفًا صحية واعتقالية قاسية، تفاقمت معها آلام الغضاريف ومفاصل الركبتين والديسك، قبل أن تصاب بمرض الجرب (السكابيوس)، الذي تسبب لها بحكة شديدة وجروح ونزيف في الجلد، وحرمها من النوم. وبين آلام جسدها وظروف الاحتجاز القاسية، تجد نفسها أمام معاناة تتجاوز قدرتها على الاحتمال، في ظل غياب الرعاية الطبية اللازمة.

اعتقال وقيود… وبداية المعاناة

في الحادي عشر من شباط/فبراير 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل مها في بلدة عناتا شمال شرقي القدس، واعتقلتها خلال مداهمة ليلية، قبل اقتيادها مقيدة بمرابط بلاستيكية إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس، حيث وُجهت إليها تهمة التحريض.

ومنذ اللحظات الأولى للاعتقال، بدأت رحلة المعاناة؛ إذ احتُجزت خلال أسبوعها الأول في زنزانة صغيرة، تضم أربعة أسرّة متلاصقة تقريبًا، دون مساحة كافية للحركة، وفي ظل عتمة مستمرة وغياب النوافذ.

ولم تكن ظروف الاحتجاز القاسية وحدها ما أثقل جسدها، فقد تعرضت للتفتيش العاري، وأُجبرت على الجلوس والحركة في أوضاع لا تتناسب مع حالتها الصحية، الأمر الذي زاد من آلام الغضاريف والمفاصل والديسك التي تعاني منها.

جسد ينهكه المرض… وعلاج غائب

داخل سجن الدامون، تتواصل معاناة مها الصحية في ظل إصابتها بالجرب، إلى جانب مشكلاتها الصحية المزمنة، التي تجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا عليها.

فآلام الركبتين والغضاريف والديسك تجعل الجلوس لفترات طويلة على الأرض مهمة شاقة، فيما تضيف الحكة الشديدة الناتجة عن الجرب معاناة أخرى لا تمنحها فرصة للراحة أو النوم.

وبحسب إفادة نقلتها محاميتها عقب زيارتها، فإن الحكة الناتجة عن المرض تسببت لها بنزيف في الجلد، بينما لم تستكمل عيادة السجن تقديم العلاج اللازم لها.

أما ما حصلت عليه من أدوية طوال فترة اعتقالها، فلم يتجاوز حبة دواء واحدة، في مشهد يعكس حجم الصعوبات التي تواجهها في الحصول على الرعاية الطبية، رغم تدهور وضعها الصحي وتعدد الأمراض التي تعاني منها.

قمع وضرب… وآلام تتضاعف

لم تتوقف معاناة مها عند المرض والحرمان من العلاج، إذ تعرضت، برفقة أسيرات أخريات، لعملية قمع داخل قسم الأسيرات في سجن الدامون، شملت الضرب والدفع، ما أدى إلى سقوطها على ركبتيها، وتسبب لها بآلام شديدة وجروح وتورم، إضافة إلى أوجاع في ساقيها.

وكان وقع الاعتداء عليها أشد قسوة في ظل حالتها الصحية، إذ وجدت جسدها المنهك أصلًا أمام إصابات جديدة، دون أن تتوفر لها الرعاية الطبية الكافية للتعامل مع آثارها.

غرفة مكتظة… وحرمان من أبسط مقومات الحياة

وبعيدًا عن المرض والإصابات، تواجه مها ظروف احتجاز لا تقل قسوة، داخل غرفة تصفها بأنها شديدة الاكتظاظ، حيث تضطر ثلاث أسيرات إلى النوم على الأرض، في ظل نقص المساحة وسوء الظروف المعيشية.

كما تعاني الأسيرات من رداءة الطعام وقلة كميته، وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة داخل الغرف، إلى جانب التفتيشات المستمرة والمفاجئة، التي تحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى حالة دائمة من التوتر والقلق.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح الراحة التي يحتاجها جسد مريض أمرًا بعيد المنال، فلا مكان مناسبًا للنوم، ولا علاجًا كافيًا يخفف الألم، ولا ظروفًا تساعد على التعافي من الأمراض والإصابات.

الدامون… معاناة تتجاوز حدود الزنازين

ولا تنفصل معاناة مها الرفاعي عن واقع الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، حيث تواصل إدارة السجن، وفق المعطيات الواردة، تنفيذ الاقتحامات والتفتيشات والتقييد، إلى جانب مصادرة الأدوية والملابس والمستلزمات الشخصية، في ظل الاكتظاظ وانتشار الأمراض الجلدية داخل الغرف.

وتشير المعطيات إلى احتجاز 88 أسيرة فلسطينية في السجن، بينهن مريضات وحوامل، وثلاث أسيرات في العزل الانفرادي، وأسيرتان قاصرتان، وثلاث أسيرات يعانين أمراضًا خطيرة ومزمنة، إضافة إلى أسيرة تواجه حالة صحية خاصة.

وبين هذه الأوضاع، تبقى مها واحدة من الأسيرات اللواتي يواجهن المرض والألم في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والإنسانية.

في الخامسة والخمسين من عمرها، لم تعد مها تواجه الاعتقال وحده، بل تخوض معركة يومية مع جسد أنهكته الأمراض، وحكة لا تهدأ، وآلام تتضاعف مع كل يوم يمر، فيما يغيب العلاج الذي تحتاج إليه.

إن حكاية مها الرفاعي ليست مجرد تفاصيل عن أسيرة مريضة داخل سجن الدامون، بل صورة لمعاناة امرأة وجدت نفسها خلف القضبان، تصارع المرض والوجع في وقت يفترض أن تكون فيه الرعاية الطبية حقًا لا يُحرم منه أي إنسان، وأن يكون العلاج وسيلة لتخفيف الألم، لا أمنية تنتظرها الأسيرة خلف أبواب الزنازين.

زر الذهاب إلى الأعلى