منى البرغوثي: ستة أبناء ينتظرون انتهاء عدّاد الاعتقال الإداري

يعيش ستة أبناء في قرية عابود، غرب مدينة رام الله، حياة يملؤها الشوق والانتظار منذ أن اعتقل الاحتلال والدتهم. تتفاقم معاناتهم مع استمرار اعتقالها إداريًا دون تهمة أو محاكمة، في اعتقال يصادر سنوات من عمر أمهم ويحرمهم من دفء حضنها. تدور في أذهانهم أسئلة لا تنتهي، فيما جعل اعتقالا والدتهم المتكرران أبناءها يعيشون صدمة متجددة من الفقد والانتظار، حتى باتت أكثر لحظات حياتهم احتياجًا لها لا يملؤها سوى عدّ الأشهر، ومحاولة فهم معنى “الاعتقال الإداري” الذي تسلل إلى قواميس طفولتهم مبكرًا.
أدهم، أصغر أبناء العائلة، لم يتجاوز السادسة من عمره، لكنه عاش اعتقالين لوالدته الأسيرة منى أحمد أبو حسين البرغوثي (46 عامًا). عامان من طفولته سُرق فيهما شقٌّ من روحه خلف قضبان سجن الدامون، ليصبح واحدًا من عشرات الأطفال الفلسطينيين الذين يكبرون على الانتظار بدلًا من أحضان أمهاتهم.
وقبل اعتقالها الحالي، كانت الأسيرة منى البرغوثي قد أمضت عامًا كاملًا رهن الاعتقال الإداري، بعدما جدد الاحتلال أمر اعتقالها أربع مرات، مدة ثلاثة أشهر في كل مرة، قبل أن تنال حريتها ضمن صفقة “طوفان الأحرار”.
ترك الاعتقال الأول آثارًا قاسية على العائلة، فما إن كانت تقترب لحظة الإفراج حتى يفاجئهم الاحتلال بتجديد جديد للاعتقال في اليوم ذاته. أربع مرات تكرر المشهد، وأربع مرات تجدد الجرح، حتى مرت على العائلة أربعة أعياد وشهرا رمضان من دون أمهم.
خرجت منى من اعتقالها السابق مصابة بكسر في الأنف نتيجة اعتداء تعرضت له. وبعد الإفراج عنها حاولت استئناف حياتها من جديد، فعادت إلى عملها مديرةً في روضة أطفال، وهو العمل الذي أحبته وأخلصت له، كما واصلت دراسة الماجستير التي كانت قد تعطلت بسبب الاعتقال، وبدا وكأن الحياة بدأت تستعيد مسارها الطبيعي.
لكن الاحتلال لم يمهلها طويلًا؛ ففي الثامن من كانون الثاني/يناير 2026، اقتحم منزلها واعتقلها مجددًا. أمضت 24 يومًا في مركز تحقيق المسكوبية، قبل نقلها إلى سجن الدامون، حيث لا تزال تواجه الاعتقال الإداري. ومنذ ذلك الحين جددت محاكم الاحتلال أمر اعتقالها مرتين، مدة ستة أشهر في كل مرة، دون أي أفق واضح للإفراج عنها أو عودتها إلى أبنائها.
وفي سجن الدامون، لا يقف الألم عند حدود الاشتياق. فقد تعرضت منى خلال إحدى عمليات القمع لاعتداء أدى إلى إصابتها في ظهرها وقدميها، وأجبرها الألم على الاستعانة بالأسيرات لقضاء احتياجاتها اليومية بعدما باتت عاجزة عن الحركة بصورة طبيعية.
كما تعاني من الصداع النصفي (الشقيقة)، وهو مرض يتطلب الهدوء والابتعاد عن الضوضاء والإضاءة الشديدة، في وقت تفتقر فيه ظروف سجن الدامون إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والبيئة المناسبة، في ظل الاقتحامات المتكررة والحالة النفسية القاسية التي تعيشها الأسيرات. كذلك تعاني من وجود كيس على الكلى، وانزلاق غضروفي (ديسك)، فيما أبلغت العائلة بأنها فقدت نحو 30 كيلوغرامًا من وزنها منذ اعتقالها. كما طالبت مرارًا بالسماح لها بالحصول على “تنورة” للصلاة، إلا أن طلبها ما يزال دون استجابة.
من لمنى البرغوثي وهي تواجه كل هذه الأوجاع خلف القضبان؟ ومن لأدهم الذي تُسرق طفولته يومًا بعد يوم؟ ومن لابنتها التي تستعد هذا العام لامتحانات الثانوية العامة في غياب أمها؟ ومن لأبنائها الستة الذين يواصلون الانتظار؟ ومن يجيب سؤال أدهم المتكرر: متى ستعود أمي إلى البيت؟




