تقارير وحوارات

“لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني”.. صرخة حسام أبو صفية من داخل السجن

“هذه آخر مرة ستراني فيها… لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني. لا أرى نفسي حيًا… هذه هي النهاية.”

هذه الكلمات تتعدى صرخة يأس، فهي الرسالة التي نقلها الطبيب الأسير حسام أبو صفية إلى محاميه من داخل سجنه، بعد أشهر طويلة من التعذيب والعزل والتجويع والحرمان من العلاج، في واحدة من أخطر الشهادات التي خرجت من داخل سجون الاحتلال منذ بدء الحرب على قطاع غزة.

الطبيب الذي عرفه العالم وهو يتنقل بين الجرحى والأطفال داخل مستشفى كمال عدوان، رافضًا مغادرة مرضاه حتى اللحظة الأخيرة، يجد نفسه اليوم في مواجهة معركة أخرى؛ معركة يخوضها وحيدًا من أجل البقاء على قيد الحياة، بينما تتوالى الشهادات الحقوقية التي تؤكد أن الاحتلال يصعّد محاولات تصفيته داخل السجون.

وبحسب المعطيات التي كشفها نادي الأسير الفلسطيني بالتعاون مع جمعية أطباء لحقوق الإنسان، فإن سلطات الاحتلال نقلت الدكتور أبو صفية إلى قسم “ركيفت”، أحد أكثر الأقسام التي ارتبط اسمها بإفادات صادمة عن التعذيب الوحشي والتنكيل والإذلال والتجويع والحرمان من العلاج، في خطوة اعتبرتها المؤسسات الحقوقية تصعيدًا خطيرًا ضمن سياسة تستهدف استنزافه جسديًا ونفسيًا وصولًا إلى تصفيته داخل السجن.

وخلال الزيارة الأخيرة، نقل المحامي ناصر عودة تفاصيل صادمة عن حالته، مؤكدًا أن الدكتور أبو صفية كان يعاني صعوبة شديدة في التنفس والكلام، وبدا ضعيفًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الجلوس بثبات، وكان يفقد توازنه، فيما ظهر في أكثر من مرة على وشك فقدان الوعي.

ولم تتوقف معاناته عند هذا الحد، إذ كشف للمحامي أنه بعد فترة قصيرة من جلسة الاستئناف أمام المحكمة العليا، اقتحم أربعة أو خمسة سجّانين زنزانته واعتدوا عليه بالضرب في جميع أنحاء جسده باستخدام الهراوات والمطارق، قبل أن تستمر الاعتداءات عليه بصورة يومية منذ نقله إلى سجن “ركيفت”، مؤكدًا أنه فقد الوعي عدة مرات ولم يتلق أي علاج.

كما أوضح المحامي أن الخوف كان يسيطر على الدكتور أبو صفية أثناء الزيارة، إذ كان مترددًا في الحديث بحرية خشية تعرضه لعقوبات وانتقام جديد من السجانين، وهو ما يعكس حجم الرعب النفسي الذي يعيشه داخل المعتقل.

ولم تكن هذه الشهادات مفاجئة لعائلته، فقد سبقتها مؤشرات كثيرة على تدهور حالته الصحية، كان أبرزها ظهوره الأول أمام محكمة الاحتلال في العاشر من يونيو/حزيران الماضي، في ظهور صدم كل الشعب الفلسطيني وليس أفراد عائلته فقط!

فقد بدا المشهد مختلفًا تمامًا عن آخر صورة عرفها الناس له، عندما خرج مرتديًا معطفه الأبيض من مستشفى كمال عدوان ليسلم نفسه لقوات الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعدما أصر على البقاء إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة.

وفي تقرير سابق أعده مكتب إعلام الأسرى، قالت شقيقته سماهر أبو صفية إنها عندما شاهدت الصورة لم تستطع التعرف إلى شقيقها من شدة التغير الذي طرأ على ملامحه.

وتقول: “لما شفت الصورة انصدمت… حسيت إنه مش أخوي. هاد أخوي ولا واحد عمره تجاوز المية سنة؟”

وأضافت أن آثار التعذيب كانت واضحة على يديه، بينما فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، وبدت ملامح التعب والإنهاك على وجهه بصورة مؤلمة، مؤكدة أن الصورة جسدت كل ما كانت العائلة تسمعه من المحامين طوال الأشهر الماضية.

وقالت: “من يوم ما المحامي بتواصل مع الدكتور حسام، ما وصلنا ولا خبر بيسر القلب… كلها أخبار سيئة، وكل مرة كانت أسوأ من اللي قبلها.”

كما أوضحت أن شقيقها يعاني من ضعف في البصر، وإرهاق جسدي ونفسي شديد، إضافة إلى استمرار عزله وحرمانه من العلاج، مؤكدة أن العائلة تعيش خوفًا دائمًا على حياته.

وخلال جلسة المحكمة، أكد الدكتور أبو صفية بنفسه أنه يعاني آلامًا حادة في الظهر والرقبة، ومشكلات في العين، وأمراضًا جلدية منتشرة في جسده، فضلًا عن حرمانه من الأدوية والرعاية الطبية، بينما تشير الشهادات الأخيرة إلى أن حالته تواصلت في التدهور بعد نقله إلى سجن “ركيفت”.

ورغم كل ما يتعرض له، ما يزال الدكتور حسام أبو صفية معتقلًا دون توجيه أي تهمة أو محاكمة، بموجب ما يسمى بقانون “المقاتل غير الشرعي”، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، واستخدام لمنظومة الاعتقال كأداة للانتقام من الكوادر الطبية التي واصلت أداء واجبها الإنساني في قطاع غزة.

بدوره، يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ما يتعرض له الدكتور حسام أبو صفية تجاوز حدود الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى، وأصبح يمثل محاولة واضحة لتصفيته داخل السجون عبر التعذيب الممنهج، والتجويع، والعزل الانفرادي، والحرمان المتواصل من العلاج.

ويشدد المكتب على أن استمرار احتجازه دون تهمة أو محاكمة، رغم التدهور الخطير في وضعه الصحي، يكشف حجم الاستهداف الذي يطال الكوادر الطبية الفلسطينية التي واصلت أداء رسالتها الإنسانية في قطاع غزة، ويحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياته وسلامته.

ويدعو المكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، وكافة المؤسسات الحقوقية الدولية، إلى التحرك الفوري لإنقاذ حياته، والضغط من أجل الإفراج عنه، وفتح تحقيق دولي مستقل في الجرائم المرتكبة بحق الأسرى داخل سجون الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عنها، قبل أن تنضم قضية الطبيب حسام أبو صفية إلى سجل شهداء الحركة الأسيرة.

وبين الطبيب الذي خرج يومًا بمعطفه الأبيض لينقذ أرواح الأطفال تحت القصف، والطبيب الذي يناشد اليوم من داخل زنزانته إنقاذ حياته، يقف العالم شاهدًا على واحدة من أبشع صور استهداف الكوادر الطبية الفلسطينية. فكل يوم يمر على الدكتور حسام أبو صفية داخل هو معركة جديدة يخوضها في مواجهة التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، فيما تتضاءل فرص إنقاذه مع استمرار الصمت الدولي.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ينتظر العالم إعلان استشهاد الطبيب الذي كرّس حياته لإنقاذ الآخرين حتى يتحرك، أم أن حياة حسام أبو صفية تستحق أن تُنقذ قبل فوات الأوان؟

زر الذهاب إلى الأعلى