الأسير الصحفي محمود عليوة.. من ممرات “الشفاء” إلى جحيم “سيديه تيمان”

لم يكن الصحفي الفلسطيني محمود عليوة يعلم أن وجوده داخل مجمع الشفاء الطبي لتغطية الأحداث سيكون بداية رحلة اعتقال قاسية امتدت عامًا كاملًا، تنقّل خلالها بين مراكز التحقيق ومعسكري “سيديه تيمان” و”عوفر”، حيث تعرّض لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي بسبب عمله الصحفي.
يروي عليوة أن قوات الاحتلال اقتحمت مجمع الشفاء الطبي، واعتقلت كل من تواجد داخله أو أطلقت النار عليهم، مشيرًا إلى أن من بين المعتقلين في اللحظات الأولى الصحفي الشهيد إسماعيل الغول والفريق العامل معه.
ويقول إن أحد المسعفين الذين استخدمهم جيش الاحتلال كدروع بشرية دخل إلى المبنى بعد ساعات من الاقتحام، ليتم إخراج الموجودين تباعًا، وكان من أوائل الذين أُخرجوا من المكان. وأضاف أن أحد الجنود سأله عن سبب وجوده داخل المستشفى، وعندما أجاب بأنه صحفي، تغيّر تعامل الجنود معه فورًا، وبدأت رحلة التنكيل والضرب.
وأكد عليوة أنه تعرّض خلال التحقيق الأول داخل مبنى العيادات الخارجية في مجمع الشفاء للضرب العنيف لمدة تقارب عشرين دقيقة، بينما كانت عيناه معصوبتين ويداه مكبلتين خلف ظهره، دون أن يُطرح عليه أي سؤال، مشيرًا إلى أن الضابط المسؤول كان يكرر أمام الجنود: “هذا لأنه صحفي”.
وأوضح أن الاحتلال اعتبر عمله الصحفي داخل مجمع الشفاء “تهمة”، حيث تركزت التحقيقات طوال عام كامل على كونه ينقل صورة ما يجري داخل المستشفى، الذي اعتبره الاحتلال “منطقة عمليات خاصة”.
وبعد ساعات من التحقيق، جرى نقله مع مئات المعتقلين إلى معسكر “سيديه تيمان”، الذي وصفه بأنه “جحيم حقيقي”، قائلاً إن الأسرى قضوا هناك فترات طويلة معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي بشكل دائم، في ظروف مهينة وقاسية.
وأشار إلى أنه أمضى نحو مئة يوم مكبل اليدين ومعصوب العينين، لا يُسمح له بالحركة إلا لدقائق معدودة لقضاء الحاجة أو الاستحمام، الذي كان يحدث مرة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، فيما كان الأسرى يجبرون على الجلوس لساعات طويلة دون حديث أو حركة، حتى إن تحريك الشفاه بالذكر أو الاستغفار كان يقابل بعقوبات جماعية واعتداءات عنيفة وقمع لكل القسم.
وأضاف أن الظروف الصحية داخل المعتقل كانت كارثية، حيث انتشر مرض الجرب “السكابيوس” بين جميع الأسرى نتيجة غياب النظافة ومنع تبديل الملابس، موضحًا أن بعض الأسرى ظلوا يرتدون الملابس نفسها لأكثر من سبعين يومًا.
وأكد عليوة أن الطعام داخل المعتقل كان شبه معدوم، إذ عاش الأسرى على أربع شرائح خبز يوميًا مع الماء فقط، ما تسبب بفقدانه نحو 40 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترة الاعتقال.
كما تحدث عن عمليات القمع اليومية التي كانت تُنفذ دون أسباب حقيقية، إضافة إلى الضرب والتنكيل المستمر أثناء النقل بين السجون، موضحًا أن الضباط كانوا يتعمدون استخدام عبارات ترهيبية، من بينها قول أحدهم للأسرى فور وصولهم إلى “سيديه تيمان”: “أهلًا بكم في جهنم”.
وبيّن عليوة أنه نُقل لاحقًا إلى سجن “عوفر”، إلا أن الظروف هناك لم تكن أفضل، حيث استمرت الاعتداءات والإهانات والحرمان من النوم، في ظل اقتحامات متكررة للغرف خلال ساعات الليل وإجبار الأسرى على الاستيقاظ بشكل متعمد.
وأشار إلى أن الأسرى ظلوا لفترات طويلة معزولين عن العالم الخارجي، قبل السماح للمحامين بزيارتهم بعد عدة أشهر، مؤكدًا أن الأخبار التي كانت تصلهم عن أوضاع الحرب والمفاوضات لم تكن تبعث على الأمل، إلا أن يقين الأسرى بالحرية ظل حاضرًا رغم كل ما تعرضوا له.
بدوره، أكد مكتب إعلام الأسرى أن شهادة الأسير المحرر محمود عليوة تعكس جانبًا من الجرائم والانتهاكات الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، خاصة بحق الصحفيين الذين يستهدفهم الاحتلال بسبب دورهم في نقل الحقيقة وفضح جرائمه.
وأوضح المكتب أن ما يجري داخل معتقل “سيديه تيمان” وسجون الاحتلال الأخرى يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والإنسانية، ويشمل التعذيب الجسدي والنفسي والتجويع والإهمال الطبي والعزل والإذلال الممنهج.
وطالب المكتب المؤسسات الحقوقية والجهات الدولية بالتحرك العاجل لوقف الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، والعمل على محاسبة قادة الاحتلال على الانتهاكات المستمرة بحق المعتقلين الفلسطينيين.
وفي ظل استمرار الحرب وسياسات الانتقام داخل السجون، تبقى شهادات الأسرى المحررين وثائق حية تكشف حجم المعاناة التي يعيشها المعتقلون الفلسطينيون يوميًا خلف القضبان، في وقت يواصل فيه الاحتلال استخدام الاعتقال والتعذيب كأدوات لقمع الفلسطينيين وكسر إرادتهم.




