أجنّة خلف القضبان.. 3 أسيرات يواجهن الحمل في جحيم سجن الدامون

بعيداً عن الحياة الطبيعية الآمنة، والرعاية الطبية المنتظمة، والاهتمام الأسري، تعيش ثلاث أسيرات أشهر حملهن في سجن الدامون، داخل بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية. ففي ظل أوضاع غير صحية، واقتحامات متكررة، ومعاملة قاسية، وإهمال طبي يتجاوز كل المعايير الإنسانية، تقبع ثلاث نساء شامخات خلف القضبان: أمينة شاهر محمد الطويل، ودانا عناد سبتي جودة، ومنار إبراهيم كراجة.
ومع بداية عام 2026، صعّد الاحتلال من حملة اعتقالاته بحق النساء، حتى بلغ عدد الأسيرات في السجون ومراكز التحقيق نحو 90 أسيرة، من بينهن 83 أسيرة معروفة أسماؤهن في سجن الدامون، فيما لا تزال أسيرات أخريات قيد التحقيق، وأسيرتان أخريان قيد الحبس المنزلي.
لكن القضية الأبرز اليوم في سجن الدامون تتمثل في اعتقال ثلاث نساء حوامل؛ إذ لا يعتقل الاحتلال أجسادهن فحسب، بل يعتقل كذلك الأجنّة في أرحامهن. أوضاعهن الصحية والنفسية لا تحتمل استمرار احتجازهن في ظل ظروف ترقى إلى الجحيم، وهي ذات الظروف التي تعاني منها جميع الأسيرات في الدامون، حيث أصبحت النظافة رفاهية، والطعام معركة يومية، والاحتياجات الأساسية مصادرة، فيما تزدحم الغرف بالأعداد الكبيرة والأسِرّة المحدودة.
وفي القسم الذي تحتجز فيه الأسيرات الحوامل، يؤكد المحامي حسن عبادي، عبر زياراته المتواصلة للسجن، وجود ست أسيرات داخل غرفة واحدة؛ ثلاث منهن حوامل، وواحدة قاصر، واثنتان تنتظران حريتهما. ولا يتوفر في الغرفة سوى سريرين فقط، ما يضطر أربع أسيرات إلى افتراش الأرض. كما يفتقر الحمام الموجود داخل الغرفة إلى باب، فيما تتكدس الروائح والأبخرة في المكان، وسط انعدام كامل للخصوصية، وهي ظروف يصعب على أي إنسان احتمالها، فكيف بأسيرات في أشهر حملهن الأولى.
الأسيرة أمينة شاهر الطويل (37 عاماً)، من قرية كفر ثلث قضاء قلقيلية، اعتقلها الاحتلال بتاريخ 18/3/2026، قبل عيد الفطر بأيام قليلة، على مرأى من أطفالها. ثم نُقلت إلى مركز تحقيق الجلمة، حيث مكثت 25 يوماً في زنزانة انفرادية تحت الأرض، في ظروف قاسية ومعزولة عن العالم.
ورغم قصر فترة اعتقالها نسبياً، تعرضت أمينة الطويل لست عمليات قمع، كانت خلالها قوات السجن تلقي القنابل الصوتية عند باب الغرفة التي تحتجز فيها مع الأسيرات الأخريات. وفي إحدى المرات، وجدت نفسها ملقاة في نهاية الغرفة من شدة الانفجار وتأثيره، رغم أنها حامل في شهرها الثالث. وفي الوقت الذي كان يفترض أن تعيش فيه هذه المرحلة إلى جانب زوجها وأطفالها الأربعة، تجد نفسها رهينة لجحيم الدامون، حيث العقوبات المتكررة والطعام غير الملائم لوضعها الصحي.
وخلال زيارتها للمحامي حسن عبادي، كانت أمينة ترتدي لباس صلاة مرقعاً، بعدما قامت الأسيرات بخياطته لها، في ظل النقص الحاد في الملابس داخل السجن، حيث تتناوب الأسيرات على ارتداء تنانير الصلاة خلال أوقات الصلاة و”الفورة”، حفاظاً على احتشامهن رغم انعدام المقومات الأساسية.
ولا تزال أمينة الطويل موقوفة قيد المحاكمة، فيما يتعمد الاحتلال تأجيل جلساتها بشكل متكرر. وخلال فترة التحقيق فقط، فقدت نحو 9 كيلوغرامات من وزنها. كما تُعد واحدة من خمس أسيرات صحفيات يعتقلهن الاحتلال بسبب آرائهن وعملهن الإعلامي.
إلى جانب أمينة، يعتقل الاحتلال الأسيرة دانا عناد سبتي جودة (35 عاماً)، من بلدة عراق التايه قضاء نابلس، منذ تاريخ 19/4/2026، وهي الأخرى لا تزال موقوفة قيد المحاكمة. وقد نُقلت بداية إلى سجن الشارون، حيث وصفت ليلتها الأولى هناك لمحاميها حسن عبادي بأنها “ليلة كابوسية”، بعدما أُغمي عليها داخل غرفة مليئة بالأوساخ، قبل نقلها إلى المستشفى لإجراء فحوصات الحمل، ثم تحويلها إلى سجن الدامون.
وتعاني دانا، الحامل في شهرها الثاني، من أوضاع صحية صعبة، إضافة إلى مرض سابق، وتعيش في الغرفة ذاتها مع أمينة الطويل. وقد فقدت جزءاً من وزنها وتعرضت للجفاف، كما تعرضت للقمع والتنكيل المتكرر. وفي إحدى عمليات القمع، فقدت وعيها، لكن السجان تجاهل حالتها، مكتفياً بالطلب من الأسيرات رفع قدميها وسقيها الماء.
وبسبب عملية جراحية خضعت لها قبل الاعتقال، تطالب دانا بصورة لجنينها، إلا أن إدارة السجن ترفض ذلك، رغم حاجتها الملحة للرعاية الطبية والغذاء المناسب. وتضطر الأسيرات الأخريات إلى التنازل عن حصصهن الغذائية لصالح دانا وأمينة ومنار بسبب أوضاعهن الصحية.
كما تعرضت دانا خلال إحدى جلسات محاكمتها إلى تنكيل قاسٍ أثناء نقلها عبر “البوسطة”، حيث وُضعت داخل غرفة ضيقة تصدح فيها الأغاني والأصوات المرتفعة، ما تسبب بإغمائها مرة أخرى.
ولا تنتهي صورة الألم عند أمينة ودانا، إذ يعتقل الاحتلال كذلك الأسيرة منار إبراهيم كراجة (28 عاماً)، من رام الله، وهي أم لطفلين وزوجة الأسير المحرر مصعب زلوم. اعتُقلت بتاريخ 30/4/2026 بعد مداهمة منزلها في بلدة بيتونيا، ثم نُقلت إلى التحقيق قبل تحويلها إلى سجن الدامون، حيث تقبع مع أمينة ودانا.
ومنار حامل في شهرها الأول، وتحتاج، كغيرها من الأسيرات الحوامل، إلى تغذية مناسبة ورعاية صحية وأوضاع مستقرة، وهي أمور لا تتوفر إطلاقاً داخل سجن الدامون. كما أنها لا تزال موقوفة قيد المحاكمة، دون صدور قرار نهائي بحقها.
وتحتاج كل من أمينة الطويل، ودانا جودة، ومنار كراجة، إلى تحرك جاد وعاجل من مؤسسات الأسرى، والمؤسسات الحقوقية والطبية، من أجل إنهاء معاناتهن والعمل على الإفراج عنهن، خاصة في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، وفرض قيود مشددة على زيارات المحامين، ومنع الأهالي من الزيارة، واستمرار السياسات القمعية التي تنعكس آثارها بوضوح على أجساد الأسرى فور تحررهم.




