تقارير وحوارات

من الصلاة إلى الوسادة… كيف يعاقب الأسيرات على أبسط التفاصيل

في سجون الاحتلال، لا تحتاج الأسيرة إلى ارتكاب “مخالفة” حتى تُعاقَب؛ يكفي أن تُصلّي، أو تمشّط شعرها، أو تحاول إعداد القليل من الطعام، أو تبحث عن وسادة تخفف ألم النوم على الأرض الباردة.

هناك، تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى ذرائع للقمع، ويصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة معركة يومية تخوضها الأسيرات في مواجهة منظومة لا تستهدف أجسادهن فقط، بل تحاول كسر إنسانيتهن بالتدريج.

الشهادات الخارجة من سجن الدامون لا تتحدث عن حوادث منفصلة، بل عن سياسة متكاملة من الإذلال اليومي، تُستخدم فيها العزلة، والاقتحامات، والغاز، والكلاب البوليسية، والعقوبات الجماعية، لإبقاء الأسيرات تحت ضغط نفسي وجسدي دائم.

13 عملية قمع خلال شهر واحد

ما رواه المحامي حسن عبادي لم يكن مجرد شهادة عن حوادث متفرقة، بل وصفًا لمنظومة كاملة وسياسة مُصمّمة بعناية.
في شهر أبريل وحده، نُفِّذت ثلاث عشرة عملية قمع بحق الأسيرات داخل السجن، ثلاث عشرة مرة اقتُحمت فيها الغرف، وكُبّلت الأيدي، وعُصبت الأعين
ويقول عبادي إن الأسيرات يعشن في ظل نقص حاد في أبسط مستلزمات الحياة؛ فلا صابون، ولا شامبو، ولا تهوية كافية في أغلب الأوقات. كما تفرض إدارة السجن عزلًا متكررًا قد يمتد لأسبوعين كاملين، تُمنع خلاله الأسيرات حتى من الخروج إلى ساحة “الفورة”.

لكن ما يحدث داخل الغرف يبدو أكثر قسوة من العزل نفسه.

ثلاث حوامل… وسريرين فقط

في إحدى الغرف، توجد ست أسيرات، ثلاث منهن حوامل، بينما لا تحتوي الغرفة سوى على سريرين فقط، ما يضطر أربع أسيرات للنوم على الأرض.
ولا تحتوي الغرفة على حمّام، فيما تلازمها الرطوبة باستمرار، وتمنع إدارة السجن فتح النوافذ أو تهوية المكان.
داخل مساحة ضيقة وخانقة، تعيش الأسيرات تحت ضغط نفسي وجسدي متواصل، بينما تتحول أبسط الاحتياجات المرتبطة بالحمل أو الراحة أو النوم إلى معاناة يومية.

“القمعات”… رعب يقتحم الغرف فجأة

يصف المحامي حسن عبادي ما تتعرض له الأسيرات خلال عمليات “القمع” بأنها اقتحامات عنيفة ومباغتة تنفذها وحدات خاصة تابعة لإدارة السجون.
وتبدأ العملية غالبًا باقتحام مفاجئ للغرف، أحيانًا باستخدام القنابل الصوتية أو الكلاب البوليسية، قبل أن يقوم عناصر القمع بتعصيب أعين الأسيرات، وتقييد أيديهن وأرجلهن، ثم جرّهن وسحلهن أثناء الاقتحام.
ويؤكد أن كثيرًا من هذه الاقتحامات تتم لأسباب وصفها بـ”التافهة”، لكنها تتحول رغم ذلك إلى مشاهد إذلال جماعي وعنف نفسي وجسدي.

“قمعة الشوكة”… حين يصبح تمشيط الشعر تهمة

إحدى عمليات القمع بدأت بعدما اكتشفت إدارة السجن أن إحدى الأسيرات تستخدم شوكة بلاستيكية لتمشيط شعرها.
وبالنسبة للأسيرات، لم تكن الشوكة سوى بديل بدائي لمشط حُرمن منه لأشهر طويلة، لكن بالنسبة لإدارة السجن تحول الأمر إلى “مخالفة” استدعت اقتحامًا ومصادرة جماعية لكل الشوك البلاستيكية داخل القسم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي جولة تفتيش لاحقة، اكتشفت الإدارة أن الأسيرات يستخدمن بعض الملاعق البلاستيكية لتحضير القليل من “السلطة”، فتمت مصادرة الملاعق أيضًا، وسط اقتحامات وتفتيشات متكررة.
داخل السجن، يصبح الطعام البسيط خطرًا، والمشط تهمة، والتفاصيل اليومية سببًا للعقاب.

“قمعة الوسادة”… كيف تحولت الرحمة إلى مخالفة؟

من أكثر الحوادث التي وثقها عبادي قسوة، ما جرى داخل غرفة الأسيرات الحوامل.
فخلال إحدى الاقتحامات، عثرت قوات القمع على “مخدة صغيرة” داخل الغرفة، فبدأ التحقيق لمعرفة كيف وصلت الوسادة إلى الأسيرات.
ولاحقًا، تبيّن أن إحدى الأسيرات جمعت بعض الملابس ووضعتها داخل سترة لتصنع وسادة بسيطة لإحدى الأسيرات الحوامل التي كانت تعاني صعوبة في النوم، لكن حتى هذه المحاولة الإنسانية البسيطة لم تمر ،اقتحمت قوات القمع الغرفة، واعتدت على الأسيرات، ثم اقتادتهن بعد مصادرة “المخدة”.
في سجون الاحتلال، قد تتحول محاولة تخفيف ألم امرأة حامل إلى سبب لاقتحام أمني كامل.

الصلاة أيضًا تحت القمع

أما الأسيرة المحررة سلام كساب، فكان “ذنبها” أنها لم تتوقف عن الصلاة ، فحين صرخ فيها أحد الضباط مطالبًا إياها بالتوقف، لم تفعل، وأكملت ركوعها وسجودها حتى النهاية ، ثم جاؤوا، وكبّلوا يديها وقدميها، وعصبوا عينيها، وجرّوها إلى زنزانة انفرادية باردة، حيث مكثت أيامًا طويلة.
بهذه البساطة، تتحول الصلاة في سجن الدامون إلى مواجهة، والمواجهة إلى عقوبة، والعقوبة إلى رسالة لكل من تفكر في أن تفعل مثلها.

القمع كسياسة ممنهجة

ما تكشفه هذه الشهادات مجتمعة أن الهدف لم يعد يتعلق بالأمن أو النظام ، فالنوم مُراقَب، والطعام مُراقَب، والشعر مُراقَب، والعبادة مُراقَبة، وفي كل مرة تحاول فيها أسيرة أن تحتفظ بشيء من إنسانيتها، تجد أمامها اقتحامًا وتقييدًا وعقابًا جماعيًا.

موقف مكتب إعلام الأسرى

مكتب إعلام الأسرى حذّر، في مواقفه المتواصلة، من أن ما يجري في سجن الدامون يمثل نموذجًا صريحًا لسياسة الإذلال الممنهج، التي يراها القانون الدولي الإنساني انتهاكًا لا يحتاج إلى تفسير.

وأكد المكتب أن الصمت الدولي المتواصل لا يُفسَّر إلا بوصفه غطاءً ضمنيًا لهذه الانتهاكات، داعيًا المؤسسات الحقوقية إلى تحرك عاجل لتوثيق هذه الجرائم ومحاسبة الاحتلال عليها.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأشد قسوة أن الأسيرة داخل سجون الاحتلال لا تُعاقَب بسبب جريمة ارتكبتها، بل لأنها تحاول، كل يوم، أن تعيش بكرامة رغم القيد والقمع

زر الذهاب إلى الأعلى