من حلقات القرآن إلى الأقفاص الحديدية.. رمضان الأسرى كما يرويه الأسير المحرر أحمد أبو راس

قبل دقائق من أذان المغرب، كانت عيون الأسرى معلّقة بقطع الخبز القليلة الموضوعة أمامهم، ينتظرون لحظة الإفطار بعد يوم طويل من الصيام. في الخارج كانت العائلات تجتمع حول موائد رمضان وتتعالى أصوات الأذان في المساجد، لكن داخل السجن كانت اللحظة مختلفة تمامًا. فجأة يُفتح الباب بعنف، يقتحم الجنود المكان، تُقلب الأطباق على الأرض، ويتحوّل وقت الإفطار – الذي ينتظره الصائم طوال اليوم – إلى مشهد من القمع والصراخ والغاز.
هكذا يصف الأسير المحرر أحمد أبو رأس واحدة من اللحظات التي عاشها خلال شهر رمضان داخل سجون الاحتلال، حيث لا يشبه رمضان خلف القضبان أي رمضان آخر. فهناك لا تبدأ أيام الشهر الفضيل بزينة الشوارع أو موائد العائلات، بل بمحاولات الأسرى معرفة إن كان رمضان قد بدأ أصلاً، ولا تنتهي الليالي بصلاة التراويح الهادئة، بل باقتحامات مفاجئة وقنابل صوتية.
في هذه الشهادة، يروي أبو رأس تفاصيل الحياة داخل السجون خلال رمضان، حيث يتحول الصيام إلى معركة يومية مع الجوع والحرمان، بينما تصبح الصلاة وحلقات القرآن شكلاً من أشكال الصمود في وجه القمع.
رمضان يبدأ بالتخمين… الأسرى يبحثون عن الهلال
يقول أبو رأس إن الأسرى غالبًا ما كانوا يجهلون الموعد الحقيقي لدخول شهر رمضان، لأن إدارة السجن كانت ترفض إبلاغهم ببدء الشهر.
ويضيف أن الأسرى كانوا يسألون السجانين إن كان رمضان قد بدأ، لكن الرد كان في معظم الأحيان التجاهل أو السخرية. لذلك اضطر الأسرى إلى استخدام وسائل بدائية لمحاولة معرفة دخول الشهر، مثل مراقبة السماء أو الاستدلال بتغير الأحوال الجوية.
وفي ظل هذا العزل القسري عن العالم الخارجي، كان الأسرى أحيانًا يبدأون الصيام وهم غير متأكدين تمامًا من اليوم الأول للشهر الفضيل.
رمضان بلا طقوس… ولا حتى تهنئة
الأجواء الرمضانية التي يعرفها الناس خارج السجون تختفي تمامًا خلف القضبان. فلا تجمعات عائلية، ولا تبادل للتهاني، ولا مظاهر جماعية للاحتفال بقدوم الشهر.
ويتذكر أبو رأس أن إحدى السجانات أعلنت في أول أيام رمضان قرارًا واضحًا يمنع الأسرى من الاجتماع أو تبادل التهاني بقدوم الشهر، مهددة بعزل كل من يخالف ذلك في زنزانة انفرادية.
كما مُنع الأسرى من التكبير أو التهليل أو أي مظاهر جماعية تعبّر عن استقبال رمضان.
اقتحامات وقت الإفطار
من أكثر الممارسات قسوة التي يذكرها أبو رأس تعمد إدارة السجن تنفيذ عمليات القمع خلال وقت الإفطار.
ويروي أنه في إحدى المرات كان الأسرى يستعدون لتناول الإفطار، قبل أن تقتحم القوات المكان فجأة، وتقلب الطعام على الأرض، وتقتاد عددًا من الأسرى إلى العزل الانفرادي لمدة اثنتي عشرة ساعة، أي من وقت الإفطار حتى اليوم التالي.
ورغم ذلك، يضيف أبو رأس أن الأسرى الذين تعرضوا للعزل واصلوا صيامهم في اليوم التالي، في مشهد يعكس قوة الإرادة والصبر الذي يتمسك به الأسرى.
اقتحامات ليلية وقنابل صوتية
لم تقتصر عمليات القمع على وقت الإفطار فقط، ففي إحدى الليالي، وبينما كان الأسرى يؤدون الصلاة داخل القسم، اقتحمت القوات المكان عند الساعة الثالثة فجراً مستخدمة القنابل الصوتية والرصاص المطاطي والهراوات.
ويقول أبو رأس إن الاعتداء طال القسم الذي كان يضم نحو 150 أسيراً، حيث تعرض الأسرى للضرب والتنكيل داخل الخيام.
القرآن يُحفَظ من الصدور
رغم التضييق الشديد، لم يتخلَّ الأسرى عن عباداتهم، فبسبب منع إدخال المصاحف داخل السجون، كان الأسرى الذين يحفظون القرآن الكريم يتولون مهمة تعليمه لرفاقهم.
وكان أحدهم يقرأ الآيات من حفظه، بينما يرددها الآخرون خلفه حتى يتمكنوا من حفظها، لتستمر بذلك حلقات القرآن داخل المعتقل رغم غياب المصاحف.
ويشير أبو رأس إلى أن العديد من الأسرى تمكنوا من حفظ أجزاء من القرآن الكريم بهذه الطريقة.
برنامج يومي للعبادة والصمود
كان للأسرى برنامج يومي يحاولون من خلاله الحفاظ على روح رمضان، فبعد صلاة الفجر تبدأ جلسات الأذكار الصباحية، تليها حلقات القرآن، ثم يخصص كل أسير وقتًا للذكر والاستغفار حتى صلاة الظهر.
أما صلاة الظهر فكانت تقام داخل كل خيمة بشكل منفصل خوفًا من العقوبات التي قد تفرضها إدارة السجن إذا اجتمع الأسرى للصلاة.
وبعد الصلاة، كان بعض الأسرى يقدمون دروسًا ثقافية أو دينية أو تاريخية، في محاولة لكسر رتابة الحياة القاسية داخل السجن.
موائد بسيطة… بروح الأخوة
رغم بساطة الطعام، كان الأسرى يحاولون خلق أجواء رمضانية رمزية.
يقول أبو رأس إنهم كانوا يجمعون ما لديهم من طعام بسيط مثل الخبز أو اللبن أو المربى ليصنعوا منه وجبات متواضعة تشبه “الفتة”.
ومن العادات الجميلة التي حافظوا عليها أن يدعو الأسير أحد رفاقه للإفطار معه داخل الخيمة، فيجمعان ما لديهما من طعام ويجلسان معًا.
لكن إدارة السجن كانت تفسد هذه الأجواء أحيانًا عبر اقتحام الخيام ليلاً ومصادرة الطعام الذي يحتفظ به الأسرى للسحور أو للأيام التالية.
صلاة تحت المراقبة
حتى صلاة التراويح لم تكن ممكنة دون احتياطات، فقد كان الأسرى يصلون داخل الخيام، بينما يقف أسيران للمراقبة؛ أحدهما قرب النافذة والآخر عند باب الخيمة، لتحذير المصلين إذا اقتربت قوات السجن.
وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، وبينما كان الأسرى يؤدون الصلاة، اقتحمت القوات المكان بالقنابل الصوتية والغاز.
ويقول أبو رأس إن نحو 150 أسيراً أُخرجوا إلى الخارج ووُضعوا داخل أقفاص ضيقة وهم مكبلو الأيدي ومعصوبو الأعين.
عقوبات بسبب الصلاة
يتحدث أبو رأس أيضًا عن تعرضه لمضايقات متكررة داخل السجن لأنه كان خطيبًا وإمامًا للخيمة التي يقيم فيها.
ويقول إن الضابطين المسؤولين عن القسم كانا يستدعونه باستمرار كل يومين أو ثلاثة، ويجبرانه على الوقوف مكبل اليدين لساعات طويلة عقابًا له على قيادة الصلاة بين الأسرى.
كما كان التضييق يشمل تقليل كمية الطعام وقطع المياه بشكل متكرر، في محاولة لكسر معنويات الأسرى وإرهاقهم، خاصة خلال شهر رمضان.
سياسات تتصاعد في السجون
ويرى أبو رأس أن السياسات القمعية داخل السجون لم تتوقف، بل ازدادت حدة في السنوات الأخيرة.
فبحسب شهادته، يتم تغيير مواعيد العدّ الصباحي والمسائي للأسرى بطريقة تؤثر على عباداتهم؛ حيث يُجبر الأسرى على الوقوف في وقت صلاة الفجر، بينما يُجرى العدّ المسائي في وقت الإفطار تقريبًا.
كما يتم تقديم الطعام في رمضان في وقت مبكر جدًا من النهار، أحيانًا في الثانية عشر ظهرًا، ليبقى الطعام أمام الأسير طوال اليوم وهو صائم، في محاولة لإرهاقه نفسيًا.
أما المياه، التي يفترض أن تكون متوفرة طوال الوقت، فقد تُشغّل لساعات محدودة فقط في رمضان، وكذلك الكهرباء التي تُقطع في كثير من الأحيان ليلاً، ما يجعل أداء الصلاة أو القراءة أمرًا صعبًا في الظلام.
رسائل من خلف القضبان
في ختام شهادته، يوجه الأسير المحرر أحمد أبو رأس رسالة إلى الأسرى الذين ما زالوا خلف القضبان، داعيًا إياهم إلى الصبر والثبات، ويقول : “إن الحرية جميلة، وإن الأسرى سيحصلون عليها يومًا ما، وسيلتقون بأهلهم وأحبائهم بعد سنوات الألم “.
كما يوجه رسالة إلى عائلات الأسرى، مؤكدًا أن كلمات المواساة لا تكفي لوصف معاناتهم، لكنه يدعو الله أن يمنحهم الصبر وأن يجمعهم قريبًا بأبنائهم وأحبائهم.
ويختم رسالته بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة في وجدان الأجيال، وأن الشعب الفلسطيني لن ينسى أرضه وحقوقه مهما طال الزمن.
لمتابعة حلقات الأسير المحرر أحمد أبو راس ضمن برنامج معسكرات الاعتقال:
الحلقة الأولى: محاريب رمضان في الأسر (1)
الحلقة الثانية: محاريب رمضان في الأسر (2)
لمتابعة الانفو الفيديو الخاص بحلقات الأسير المحرر أحمد أبو راس ضمن برنامج معسكرات الاعتقال: من حلقات القرآن إلى الأقفاص الحديدية.. رمضان الأسرى




