طفولةٌ في قفص: ندى بني عودة بين حلم التوجيهي وقضبان الدامون

في لحظات الاقتحام الأولى، تهون كل الأوجاع ما لم تمسّ النساء، ما لم تُمسّ أنوثة المنزل وبهجته، وفاكهته بالاعتقال.
يعرف الآباء أن أبناءهم خُلقوا في هذه البلاد للكفاح والمواجهة، لكن المعرفة شيء، وأن تعيش الحدث شيءٌ آخر…
خاصةً في منزلٍ اجتمع عليه ابتلاءان، لو نزل أحدهما على جبلٍ لتصدّع.
بيتٌ في محافظة طوباس قتله الاحتلال مرتين: قتلٌ مجازي، وآخر حقيقي… قتلٌ للروح قبل الجسد.
ابنٌ شهيد يحتجز الاحتلال جثمانه، ولم تنل عائلته بعد حقّ دفنه.
الدفن أصبح رفاهية… حقٌّ تناضل هذه العائلة لأجله.
وابنةٌ أخرى، شقيقة شهيد، اعتُقلت من منزلها، لتصبح أصغر أسيرة في السجون، فيما أوجاع المنزل لا تهدأ؛
أمّ تنتظر المجهول، وأبٌ يصارع الصبر والجَلد.
في بلدة طمون بمحافظة طوباس، هناك قلب أمٍّ يتفتّت حزنًا على ابنتها؛
ابنها نال الشهادة والرفعة والفردوس، وابنتها تقيدها قضبان الزنزانة، وطفولتها تتآكل خلف السجون،
بينما تصارع العائلة قرارات المحاكم، حتى لا تبقى ندى رهينة الدامون وما يحمله من قسوة وتنكيل.
هي ندى إياد بني عودة (17 عامًا)، أصغر أسيرات الدامون.
طفلة كانت حياتها تتنقل بين الكتب والدراسة، وعلى أعتاب الثانوية العامة.
لديها أحلام… بل أحلام تفوق عمرها؛ كانت الأولى على صفها قبل اعتقالها،
وحلمها أن تكون الأولى على محافظتها، بل على وطنها في امتحانات الثانوية العامة،
وهو الوعد الذي قطعته لشقيقها، قبل أن ينال هو وسام الشهادة.
شهدت ندى حدثًا يفوق سنوات عمرها؛
ففي 15/5/2025، استشهد شقيقها وديع إياد بني عودة (19 عامًا) برفقة أربعة شبّان،
بعد أن حاصرهم الاحتلال داخل منزل واستهدفه بالقذائف والرصاص،
ثم احتجز جثمانه لاحقًا، وحتى اليوم لا يهدأ قلب والدته شوقًا لاستعادته.
عاشت ندى هذه المحنة بطفولتها، وكأي طفلة غضة، كانت تكتب عن شقيقها عبر مواقع التواصل؛
تنعاه يومًا، تشتاقه يومًا، وتخاطبه كأنه ما زال حيًا.
لكن الاحتلال رأى في ذلك “جريمة”،
ففي 12/2/2026، اعتقلها من منزلها بتهمة “التحريض” عبر مواقع التواصل…
أي: الكتابة عن شقيقها.
تروي والدتها قصتها قائلة:
“ندى طالبة توجيهي – الفرع الأدبي، الأولى على فرعها في الفصل الدراسي الأول. لم تُكمل الفصل الثاني… أخذوها أسيرة. كانت تحلم أن تكون الأولى على محافظتها، واليوم هي أصغر أسيرة في السجون.”
وتصفها عائلتها بأنها طفلة هادئة، يشهد الجميع بأخلاقها العالية؛
مدرستها، مديرتها، معلماتها، وزميلاتها… جميعهم يفتقدونها.
أما والدتها، فترى فيها سندها في الحياة، خاصة بعد استشهاد ابنها الوحيد وديع.
كانت ندى تملأ حياتها…
يوم اعتقالها، قال الضابط: “هذه السنة لا يوجد توجيهي”،
ثم اقتادها إلى مستوطنة “أرئيل”، حيث أمضت أربعة أيام، قبل نقلها إلى سجن الدامون.
واليوم، تحمل ندى طفولتها معها من محكمة إلى أخرى؛
ثماني محاكم مرّت على طفلة، وتنتظر محكمتها التاسعة يوم الأربعاء القادم.
تغرق الأم في تفاصيل الأمل…
في شهر أيار القادم تحلّ الذكرى السنوية لاستشهاد وديع،
لكن ندى لن تكون معها،
ولا حتى جثمان وديع موجود…
لا قبر تبكي عليه أمّه، حتى هذا الحق سُرق منها.
ندى هي الابنة الكبرى بين أخواتها، وسند والدتها.
أما وديع، فقد ودّع حلم الجامعة، حيث كان يدرس في فصله الأول تخصص فني أسنان،
وترك حلمه أمانةً لدى ندى…
واليوم، ندى وحلمها وحلم شقيقها، جميعها مقيدة، تنتظر الفرج والعودة.
ندى واحدة من ثلاث أسيرات قاصرات في سجون الاحتلال،
وواحدة من 90 أسيرة في الدامون،
وواحدة من 350 طفلًا يُعتقل مستقبلهم.
في ليلةٍ وضحاها، أصبحت ندى تحمل ألقابًا تفوق عمرها،
وتُسرق طفولتها شيئًا فشيئًا…
فإلى متى؟!




