ثلاثة أبناء خلف القضبان… وأمّ من جنين تُحاصرها الذاكرة والنزوح

في مخيم جنين، ذلك المكان الذي لطالما أنجب الحكايات الثقيلة، لا تتوقف دورة الألم. هناك، يسلب الاحتلال أعمار الشباب بلا استثناء؛ اعتقالات متواصلة، نزوح قاسٍ، وحصار يلتهم تفاصيل الحياة. العائلات تفقد أبناءها دفعةً واحدة، والنساء يجدن أنفسهن بين فقدان البيوت وغياب الأبناء، فلا يبقى لهن سوى الذكريات ملاذًا، وملاحقة المحامين والأسرى المحررين مهمةً يومية فُرضت عليهن قسرًا.
في هذا المشهد، تبرز حكاية عائلة سلامة، التي شهد مخيم جنين على حياة ثلاثة من أبنائها. كبروا على وقع الحصار، وعلى قصص البطولة التي تروى في الأزقة، وحين اشتد عودهم، عاد الاحتلال ليطارد أعمارهم من جديد. لم يعد البيت موجودًا، ولا الأبناء، وبقي قلب الأم معلقًا في الفراغ، يطارد أخبارًا شحيحة، وسط انقطاع الزيارات وتصاعد حملات التجويع داخل السجون.
تقول والدة الأسرى، في حديث لمكتب إعلام الأسرى:
“لديّ ثلاثة أبناء في السجون: منير أحمد سلامة (26 عامًا)، نور الدين أحمد سلامة (23 عامًا)، وفداء أحمد سلامة (18 عامًا). اعتُقلوا من بيننا، ولا يزالون قيد المحاكمة والتحقيق، وأخبارهم شبه منقطعة”.
اعتُقل منير ونور الدين بتاريخ 19/11/2023، فيما اعتُقل فداء في 20/4/2026. اليوم، جميعهم قيد التوقيف. يقبع منير ونور الدين في سجن جلبوع، بينما يُحتجز فداء في مركز تحقيق الجلمة. وبين هذه الجدران، يتآكل الجسد كما الروح، إذ تشير المعلومات إلى تراجع أوزانهم إلى ما بين 56 و59 كيلوغرامًا، مع تفاقم أوضاعهم الصحية.
تضيف والدتهم أن لكل واحد منهم معاناة صحية خاصة؛
فمنير يعاني من إصابة قديمة منذ عام 2013، حين تم قطع شريان في ركبته وأُجري له توصيل شريان.
أما نور الدين، فيعاني من ألم مزمن نتيجة إصابة في الكتف عام 2022 أدت إلى تفتت العظم، وكان لا يزال يتلقى العلاج لحظة اعتقاله.
فيما يعاني فداء، الشقيق الأصغر، من آلام في عينيه وأذنيه ورأسه، نتيجة اعتداء سابق تعرض له بالضرب في أكتوبر 2025.
ولم تكن هذه التجربة الأولى للعائلة مع الاعتقال؛ فقد اعتُقل منير سابقًا وهو في السابعة عشرة من عمره، وقضى سنة ونصف في السجن، كما اعتُقل نور الدين في سن الخامسة عشرة، وأمضى المدة ذاتها.
أما فداء، أصغرهم، فكان يحمل حلمًا بسيطًا: إكمال الثانوية العامة وبناء مستقبله. لكن الاجتياح والنزوح سرقا منه هذا الحق، لينتهي به المطاف خلف القضبان قبل أن يكتب أولى خطواته في الحياة.
تقول الأم:
“اليوم، منفذنا الوحيد لمعرفة أخبارهم هو الأسرى المحررون أو زيارة محامٍ. نحن أسرة فقدت ثلاثة من أركانها. حمل ثقيل ووجع لا يشعر به أحد، خاصة مع انقطاع الزيارات والأخبار. فقدنا بيوتنا ثم فقدنا أبناءنا. النزوح يلاحق أرواحنا، وأولادنا لا يغادرون مخيلتنا. قلقنا عليهم يهد الجبال. شقيقتهم ذات الخمس سنوات تشتاق لهم في كل لحظة، وتفتقدهم في كل زاوية من حياتها”.
ليست هذه سوى قصة واحدة من بين مئات القصص في مخيم جنين، حيث تتشابه الحكايات وتختلف الأسماء. هناك، لا يُقاس الألم بعدد الأسرى فقط، بل بسنواتٍ مؤجلة من العمر، وبأمهاتٍ يعلقن قلوبهن على أبواب السجون، ينتظرن موعدًا لا يعرفه إلا الله.




