تقارير وحوارات

24 عامًا خلف القضبان… ومقصلة القلق تلاحق عائلة الأسير المؤبد محمود عمرو

تغادر الدموع عيني والدته، ويلازمها الدعاء شوقًا لانتظاره، والأمل—رغم كل ما حدث—لا يزال عنوان حياة ذويه.
زوجته تعيش صبر معركة هي جنديتها المجهولة، تنتظر وتحلم بلقاءٍ يمحو ما قبله من غيابٍ وانتظار، وتراقب بقلق بالغ أخبار الأسرى والتصريحات المتعلقة بقانون الإعدام. ورغم انقضاء معالم الصفقة، فإنها لم تُلغِ الأمل من قلبها، وتؤكد دائمًا أن باب الزنزانة لا يُغلق على أحد، مهما طال الزمن وكبر المصاب.
هي عائلة الأسير المؤبد محمود محمد محمود عمرو (50 عامًا) من الخليل، الغائب عن كل صفحات ذكريات عائلته منذ 24 عامًا. تزوج معظم أشقائه، وتوفي والده شوقًا للقائه، ولا يزال منزله يخلو من حضوره.
تعيش عائلته اليوم قلقًا بالغًا في ظل ما يجري حول ملف الأسرى. وقد زارهم بعض الهدوء حين لم يُدرج اسمه ضمن قوائم الأسرى المحررين في صفقات المقاومة، لكن سرعان ما داهمهم مرضٌ آخر: مرض الانتظار والترقب، الذي لا يعرف ثقله إلا أهالي الأسرى، خاصة أصحاب الأحكام المؤبدة.
فالكنيست أقرّ قانون الإعدام بحق أبنائهم، وفي كل يوم تلوّح حكومة الاحتلال بقرب تنفيذ القرار.
بدأت قصة اعتقال الأسير محمود عمرو بتاريخ 2/11/2002، بعد مسيرةٍ تشكّلت على مبادئ رفض فيها أن يرى بلاده ذليلة. وعند اعتقاله، صدر بحقه حكمٌ بالسجن المؤبد مكرر ثلاث مرات.
كما هدم الاحتلال منزل عائلته المكوّن من طابقين، قبل أن تعيد العائلة بناء طابق واحد لاحقًا.
أما داخل السجن، فقد تمكن محمود، بصبره وجلده، من إنهاء المرحلة الثانوية، ثم الحصول على درجة البكالوريوس، ليصبح سجن “ريمون” اليوم عنوان اعتقاله.
تؤكد عائلته أن أخباره منقطعة منذ عامين، عقب إعلان الاحتلال حالة طوارئ متجددة في السجون بعد حرب السابع من أكتوبر.
وكان المحامي قد أفاد، في آخر زيارة، بأنه فقد نحو 20 كغم من وزنه. وكباقي الأسرى، يعاني من سياسة التجويع وانعدام مقومات الحياة الإنسانية.
القلق بات ضيفًا دائمًا في بيت العائلة. تقول:
“حين سمعنا بإقرار قانون الإعدام، أصابنا الخوف والقلق. النوم أصبح حرامًا علينا، نتابع الأخبار بأعصابٍ منهكة. يلازمنا هاجس أنهم سينفذون القرار، وكيف سنسمع نطق الحكم بحقه. أعصابنا مدمرة، وأوضاعنا النفسية سيئة، والدموع لا تفارق أعيننا.”
تأمل العائلة، كغيرها من العائلات، أن يُلغى هذا القرار، وأن يُمحى من ذاكرتهم، وألا يتحقق ما يخشونه بحق أبنائهم.
وتقول زوجته:
“كنت أتوقع إدراج اسمه في الصفقة، فسافرت مع شقيقتي—وهي زوجة أسير مؤبد أيضًا—لنكون قريبتين في حال تحررهم. كنا نخشى أن يُمنع سفرنا أو نُحتجز، لكن أصابنا إحباط شديد، واسودّت الدنيا في وجوهنا. محنتنا صعبة، لكن أملنا لا يزال حيًا بأن الحرية ستزورنا يومًا ما.”
زوجة الأسير محمود عمرو واحدة من ثلاث شقيقات ارتبطن بأسرى مؤبدين.
إحداهن تحررت من هذا الانتظار، بعد الإفراج عن زوجها المحرر طالب عمرو وإبعاده إلى مصر عقب 24 عامًا من الاعتقال.
أما الشقيقتان الأخريان، فلا تزالان في انتظار الحرية، وهما زوجة الأسير محمود عمرو، وشقيقتهما زوجة الأسير جمال عمرو، المعتقل منذ 22 عامًا والمحكوم بالمؤبد.
تصف زوجته زوجها بأنه “الإنسان الحنون، الصديق، والحبيب الذي سرقه الاعتقال”، وتؤكد أن صبرها ازداد قوة بصبر شقيقاتها، اللواتي تقاسمن معها الألم ذاته.
فقد كنّ سندًا لبعضهن، لأن المصاب واحد، والوجع أكبر من أن يُروى.
جمال ومحمود وطالب أبناء عمومة، نال طالب حريته، بينما لا يزال محمود وجمال في دائرة الانتظار.
وتتمنى عائلاتهم أن يزور الفرح قلوبهم بحرية محمود وجمال، وأن يعود طالب إلى بلاده، متخلصًا من ثقل الغربة.
تعاني عائلة محمود عمرو، كسائر عائلات الأسرى، من سياسة قطع راتبه.
هذه العائلة التي قدّمت الكثير، تجد نفسها اليوم في مواجهة قانون يهدد حياة ابنها، ويثقل كاهل والدته وزوجته بالخوف والانتظار.
لكن إلى متى؟
فالقلق ينهش العائلة يومًا بعد يوم، وإن كان الأمل دواءهم، فإن الترقب مرضٌ يفتك بأرواحهم، ويتركهم أجسادًا تمشي بلا روح.

زر الذهاب إلى الأعلى