فاطمة منصور… أمومة معلّقة تستعيد نبضها مع اقتراب الحرية

في منزل الأسيرة فاطمة عبدالفتاح منصور (41 عاماً)، سكان بلدة بدو الواقعة شمال غرب القدس، اشتعلت قلوب 7 أبناء على والدتهم شوقاً وحسرةً على عامٍ سُرِق من أحضانهم إلى سجون الاحتلال، وهي التي لم تغب يوماً عن تفاصيل أحلامهم وسعادتهم وأفراحهم وأحزانهم وكل ما يتعلق بقلوبهم المرهفة. في سنة واحدة فقط وجدت نفسها تغيب عن أعيادهم وعن مدارسهم وعن جامعاتهم وعن طفلة رضيعة تركتها مجبرة، وكانت في أشد التعلق والحاجة لها.
الأسيرات لسن أسماءً مجردة من الحياة، بل أمهات مسروقات من بيوتهن، من أحضان أبنائهن، ومن محبة أزواجهن، ومن تأثيرهن في مجتمعاتهن. 90 اسماً اليوم هن كفاطمة، سُلب منهن كل شيء، 90 اسماً منهن 24 أسيرة أمهات، انتُزعت الحياة من بين أيديهن دون أي ذنب يُذكر.
الأسيرة فاطمة منصور تركت خلفها مجبرة 7 أبناء، أكبرهم ابنتها أنصار بعمر 21 عاماً، وسميرة بعمر 19 عاماً، وابنها محمد بعمر 16 عاماً، وابنتيها سوار بعمر 12 عاماً وفلسطين بعمر 11 عاماً، وطفلتين صغيرتين لا ذنب لهما في كل ما حدث، هما جولان 5 سنوات ووتين سنتان ونصف.
بتاريخ 29/4/2025 اعتقل الاحتلال فاطمة من منزلها. كانت لم تنم تلك الليلة إلا قبل ساعة من اعتقالها، فهي معلمة تربية إسلامية كانت تسهر على تصحيح امتحانات طلابها. تم حجز بناتها كي لا يودعنها، ولم يرها أي من أبنائها قبل الاعتقال، وبقيت حسرة في قلب فاطمة حتى هذا اليوم. فكل الأسيرات المحررات يؤكدن على أنها تتعامل معهن كما لو كن أبناءً لها، تغطيهن في الليالي الباردة، وترعى الصغيرات منهن، وتعوض أمومتها لأبنائها الذين سُلبت من حياتهم. صباح يوم اعتقالها لم يفهم أبناؤها كيف خلا المنزل من صوتها وحنانها وعطائها الكبير.
نهاية العام الماضي في شهر ديسمبر، أصدرت محكمة الاحتلال بحق فاطمة منصور حكماً نهائياً مدته عام، وتنتظر عائلتها بشوق المحب حريتها يوم الثلاثاء القادم وعودتها لتفاصيل المنزل. الطفلتان جولان ووتين كانتا بأمسّ الحاجة لأمهما، والأب وجد نفسه في ليلة أماً وأباً لأبنائه السبعة. وتين كانت رضيعة تحتاج حنان أمها، ووجدت العائلة صعوبة كبيرة في تقبلها لأي شخص آخر، وأن تشرب الحليب من زجاجة تفتقر لمعاني الحنان والعطف. وجولان كانت طفلة تستعد للذهاب إلى رياض الأطفال، وكانت أمها في شوق كبير لترافقها تلك اللحظة، كي تسرح شعرها صباحاً وتلبسها زي الروضة وتوصلها بنفسها إلى هناك. هذه تفاصيل حُرمت منها جولان ووتين كما حُرمت منها فاطمة، وبقيت حسرة معلقة في جوفها وقلبها حتى اليوم.
الكثير الكثير من التفاصيل مرّ في عامٍ واحد، عامٌ على ضيقه يتسع لكل الإنجازات لعائلة من 7 أفراد. الأعياد مرّت دون طعم، والبيت خلا من رائحة الحلوى التي كانت تعدها فاطمة، والتي ينتظر اليوم أبناؤها أن تعود لهم لتعدها. شهر رمضان خلا من بصمة الأم العطوفة، وهي التي كانت تعد لأبنائها جدول عبادة وطقوس وروحانية في المنزل ودروساً دينية. العائلة فقدت جناحها تماماً باعتقال فاطمة منصور.
أما سميرة وأنصار فهما طالبتان جامعيتان، وكانت المسؤولية والعبء أكبر من عمرهما الغض، فوجدتا نفسيهما أمهات في سن مبكرة. وكانت غصة قلب سميرة أكبر، فهي عقدت قرانها خلال اعتقال والدتها، ولم يتبقَّ سوى شهرين فقط على عرسها، أي أن أمها فاطمة سترافقها شهرين فقط بعد حريتها قبل أن تزفها عروساً، وستحاول في هذين الشهرين أن تعوض كل غياب السنة بتفاصيله المؤلمة قبل المفرحة.
الابنة مهما كبرت تحتاج لبصمة والدتها في كل شيء، وهكذا كانت سميرة وأنصار، ولكن العائلة تحتسب أجر هذا الصبر، وترى أن الحرية قاب قوسين أو أدنى، وعندها ستتحول تفاصيل اعتقال والدتهم وغيابها إلى ذكريات وأجر وحكايات فقط.
الأسيرة فاطمة منصور مثال للأسيرة المتينة الصلبة، حفظت القرآن خلال اعتقالها، وأصبحت أماً لأسيرات الدامون. تتحضر مرة أخرى فاطمة لتنتزع من بين أسيرات عاشت معهن كل شيء لسنة، وتعود لعائلتها حاملة معها ذكريات لا يعلم حجم وجعها إلا هي.




