إيلياء مليطات: طفلة في الثامنة يقف الاعتقال الإداري بينها وبين والديها

في بيتٍ وادعٍ في بلدة بيت فوريك، الواقعة إلى الشرق من مدينة نابلس، تعيش طفلة صغيرة لا تزال في الثامنة والنصف من عمرها، لا تعرف من أمور الاعتقال سوى غيابٍ لا مبرر له لأبيها وأمها.
لا تزال طفلة على مقاعد الدراسة في صفها الثاني؛ فمفهوم الاعتقال الإداري ليس ضمن حصصها المدرسية ولا واجباتها الطفولية، وعدّ الأرقام ليس من نطاق أرقام حصة الرياضيات المقدمة لها. وحده الانتظار أصبح جزءًا من حياتها تحاول استيعابه وفهم ملامحه.
حين اعتقل الاحتلال والدتها، الأسيرة أسيل حماد (34 عامًا)، بتاريخ 3/6/2025، مرت إيلياء بظرفٍ نفسي صعب. تقول عائلتها:
“كانت تبكي والدتها يوميًا لمدة ثلاثة أشهر، تطلب منا أن تعود، حتى تم اعتقال والدها، فأصبحت لديها صدمة ثانية مضاعفة، وحتى اليوم لا تتقبل موضوع اعتقالهما كليهما”.
فبعد اعتقال والدتها بنحو ثلاثة أشهر، عاد الاحتلال واعتقل زوجها الأسير مصعب مليطات (41 عامًا). تقول عائلة إيلياء:
“لا يمر يوم إلا وتطلب فيه والديها، تمسي وتصبح وهي تقول إن أمها تأخرت كثيرًا عليها. تضعف لكنها تقول إنها قوية وستتحمل غياب أمها، وأنها لا بد ستعود ولن يطول غيابها، لكنها في النهاية طفلة”.
إيلياء ابنة لأبوين عصاميين تستمد منهما، لا بد، قوتها، لكنها في النهاية طفلة يجب أن تكون في بيت مستقر يحتضنها، ويكون والدها ووالدتها حولها. وفي الوقت الذي يعني فيه غياب الآباء عن موائد الإفطار والطقوس الرمضانية عذابًا لأطفالهم، فكيف بإيلياء وقد غاب والدها ووالدتها معًا خلف القضبان.
ورغم عمرها الصغير، تدرك إيلياء أن الحرية لا بد أن تزور منزلها يومًا ما؛ فقد تعلمت الجَلد والصبر من والدتها. فالأسيرة أسيل حماد ليست امرأة عادية، بل أم وزوجة عصامية تحملت لسنوات غياب زوجها في الأسر، إذ إن اعتقاله الحالي ليس اعتقاله الأول.
أسيل حماد درست تخصص التخدير، وتؤكد عائلتها أنها منذ صغرها إنسانة نشيطة تحب العمل وتكد فيه منذ نعومة أظافرها. وتقول العائلة:
“بدأت أسيل مسيرتها المهنية في تعاونية زراعية تابعة لاتحاد لجان المرأة الفلسطينية، واكتسبت لاحقًا خبرة في مجال الزراعة، وشاركت في العديد من الدورات التدريبية التي نظمها الاتحاد”.
وبعد فترة من الكد والتعب أسست أسيل حماد مشروعها الخاص “مشتل جذور”، الذي أصبح – على حد قول عائلتها – عنوانًا لعملها وإبداعها في مجال الزراعة والإنتاج المحلي. فقد كانت أسيل، ولا تزال، عنوانًا للكدح والعطاء، لا تعرف التوقف، وناشطة في مجالات اجتماعية وزراعية وتنموية متعددة، ومن خلالها كانت تدعم النساء في مجتمعها.
بل إنها نقلت هذا التمكين إلى داخل سجن الدامون، حيث تؤكد عائلتها أنها حولت السجن إلى مساحة للحياة والعمل؛ فقد أخذت على عاتقها تقديم دروس في الزراعة ودورات تدريبية في مجال تشتيل البذور، وتسعى حتى داخل السجن إلى نشر المعرفة وبث الأمل بين الأسيرات، إذ لا تقف الجدران ولا الاعتقال عائقًا أمام عطائها وقوتها.
وقبل اعتقالها الأخير كانت أسيل حماد قد مرت بتجربة اعتقال زوجها مدة ثلاث سنوات، وخلال هذه الفترة تحملت مسؤولية أسرة كاملة بشجاعة وإصرار. واليوم تصارع حكم اعتقالٍ إداري متجدد؛ إذ صدر بحقها أمر إداري مدته أربعة أشهر، جرى تجديده لاحقًا مرتين. وفي ذات الفترة أعاد الاحتلال اعتقال زوجها، وحوّل ملفه أيضًا إلى الاعتقال الإداري.
أما الأسير مصعب مليطات، زوج الأسيرة أسيل حماد، فقد بدأت مسيرة اعتقاله وهو في السابعة عشرة من عمره، حين اعتقله الاحتلال عام 2002 وأمضى في الاعتقال خمسة أعوام. ثم أعاد الاحتلال اعتقاله مرة ثانية لنحو عامين، وخلال فترة خطبته من أسيل اعتُقل مرة ثالثة لمدة عام ونصف. وبعد الإفراج عنه اعتُقل مجددًا لمدة عامين ونصف. وتؤكد العائلة أن مجموع سنوات اعتقاله حتى اليوم بلغ نحو 11 عامًا. وكان آخر اعتقال له بتاريخ 21/9/2025، حيث حُوّل ملفه إلى الاعتقال الإداري وصدر بحقه أمر إداري مدته ستة أشهر قابلة للتجديد.
درس مصعب مليطات دبلوم هندسة الاتصالات والكمبيوتر في جامعة النجاح الوطنية، لكنه انتُزع من عائلته فتراتٍ متقطعة، وعاش معظم سنوات اعتقاله تحت سقف الاعتقال الإداري. واليوم يقبع في سجن النقب، ولا تعرف العائلة من أخباره شيئًا في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، والعراقيل المفروضة على زيارات المحامين، وحرمان الأهالي من حق زيارة أبنائهم.
فالاعتقال الإداري لا يلاحق أسيل ومصعب وحدهما، بل يلاحق أيضًا طفلة في الثامنة من عمرها، ليس لها ذنب في غياب والديها عنها. وهذه التفاصيل والمفاهيم لا تسعف طفلًا بهذا العمر كي يدرك أن عداد الاعتقال الإداري ليس ثابتًا عند رقم واحد، بل قابل للتمديد بلا سقف، خاصة في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل سجون الاحتلال. وهي مفاهيم كانت إيلياء، ولا تزال، في غنى عن معرفتها وإيداعها في ذاكرة طفولتها.




