رمضان خلف القضبان… الأسير المحرر عبد العزيز عودة يروي حكايات الجوع والقمع وصناعة الأمل

بين جدرانٍ باردةٍ وأبوابٍ حديديةٍ موصدة، يعيش الأسرى الفلسطينيون شهر رمضان بطريقة مختلفة تمامًا عن العالم خارج السجون. فبينما تجتمع العائلات حول موائد الإفطار وتصدح المساجد بالأذان، يقضي الأسرى ساعاتهم في عزلةٍ قاسية، يحاولون فيها الحفاظ على ما تبقى من روح هذا الشهر رغم الجوع والقمع والحرمان.
الأسير المحرر عبد العزيز عودة يستعيد في هذه المقابلة تفاصيل تجربته داخل سجون الاحتلال خلال شهر رمضان، كاشفًا عن واقعٍ إنساني صعب يعيشه الأسرى، حيث تتحول لحظات العبادة والسكينة إلى معركة يومية مع الجوع والانتظار والإذلال.
رمضان بلا أهل… صمت الزنازين ومرارة الغياب
يقول عودة إن شهر رمضان في غزة يحمل دائمًا طقوسًا خاصة؛ العبادات في المساجد، أصوات الأطفال في الشوارع، روائح الطعام التي تملأ البيوت، واجتماع العائلة حول مائدة واحدة، لكن هذه الصورة تختفي تمامًا خلف القضبان.
ففي الزنزانة، يصبح رمضان مرادفًا للوحدة والاشتياق، حيث يجلس الأسير عند اقتراب موعد الإفطار مستحضرًا في ذاكرته صورة أهله وبيته، بينما يمر الأذان دون أن يكون هناك من يشاركه تلك اللحظة.
ويصف تلك اللحظات قائلًا إن كثيرًا من الأسرى كانوا يقضون الليل في صمتٍ ثقيل، تختلط فيه مشاعر الحزن بالحنين، وقد تتحول الدقائق إلى ساعات طويلة من التفكير في الأهل الذين يعيشون رمضان بعيدًا عنهم.
طعام لا يكفي… وأحيانًا غير صالح للأكل
من أبرز معاناة الأسرى في رمضان، وفق عودة، سوء الطعام وقلة كميته. ويؤكد أن غالبية الطعام الذي تقدمه إدارة السجون يكون في كثير من الأحيان فاسدًا أو غير صالح للأكل، ويتم تقديمه بطريقة وصفها بأنها تحمل الكثير من الإذلال والتعمد في إهانة الأسرى.
فالخضروات تصل غالبًا مقطعة منذ ساعات طويلة، وتبقى معرضة للشمس والحشرات قبل توزيعها، ما يؤدي إلى فسادها قبل أن تصل إلى موائد الأسرى.
وفي شهر يعتمد فيه الصائم على وجبتي الإفطار والسحور، تصبح هذه الكميات القليلة من الطعام غير كافية لتلبية الحد الأدنى من احتياجات الأسرى.
صعوبة معرفة بداية رمضان
ومن المفارقات المؤلمة التي يرويها عودة، أن الأسرى كانوا في بعض الأحيان لا يعرفون الموعد الحقيقي لدخول شهر رمضان. فالعزل داخل السجون يمنعهم من متابعة الأخبار أو رؤية العالم الخارجي.
لذلك كان الأسرى يحاولون بعد منتصف شهر شعبان مراقبة الهلال من خلف القضبان أو عبر النوافذ الضيقة، ويجرون حسابات فلكية بدائية لتقدير بداية الشهر.
ويروي عودة أن أول رمضان عاشه في السجن مرّ دون أن يصوم بعض الأسرى، لأنهم لم يتمكنوا من معرفة الموعد الدقيق لبداية الشهر الفضيل.
الإفطار المؤجل… انتظارٌ يتجاوز الأذان
لا تنتهي المعاناة عند الطعام فقط، ففي كثير من الأحيان كانت إدارة السجون تجبر الأسرى على الخروج لما يسمى بـ”العدد” – وهو إجراء تفتيش وعدّ للأسرى – في الوقت الذي يتزامن مع أذان المغرب.
وبينما يسمع الأسرى الأذان من بعيد، كانوا يضطرون للوقوف في ساحات السجن منتظرين انتهاء الإجراءات، ما يعني تأخير الإفطار لساعات إضافية.
ويصف عودة هذا السلوك بأنه تعمد واضح لحرمان الأسرى من أبسط طقوسهم الدينية.
موائد إفطار صغيرة… بروح العائلة
ورغم القيود الصارمة، كان الأسرى يحاولون خلق أجواء رمضان الخاصة بهم.
يقول عودة إنهم كانوا يجمعون الطعام القليل الذي يملكه كل أسير، ويضعونه على قطعة قماش صغيرة لتشكيل مائدة إفطار جماعية.
ورغم أن هذا السلوك كان ممنوعًا داخل السجون، إلا أن الأسرى كانوا يحرصون عليه لأنه يعيد لهم شيئًا من إحساس العائلة.
وكان الأسرى يتقاسمون الطعام فيما بينهم، ويعطون حصة أكبر لكبار السن والمرضى، في صورة تعكس روح التضامن بينهم.
كما كانوا يخصصون جزءًا من طعامهم للأسرى الذين يتم نقلهم بين الزنازين وقت الإفطار أو السحور، حتى لا يبقوا دون طعام.
قمع وقت الإفطار
من أصعب اللحظات التي يذكرها عودة، عمليات القمع التي كانت تحدث أحيانًا بالتزامن مع وقت الإفطار.
فقد كانت قوات السجن تقتحم الأقسام، وتطلق الكلاب البوليسية داخل الغرف، ما يؤدي إلى تخريب موائد الطعام وسكبها على الأرض.
كما كان الغاز المسيل للدموع يُطلق داخل الأقسام، ما يسبب آلامًا شديدة للأسرى الصائمين، إضافة إلى الضرب بالهراوات وتعصيب الأعين ونقل بعض الأسرى إلى أقفاص حديدية.
ويقول عودة إن تلك اللحظات كانت كفيلة بتحويل أكثر أوقات اليوم انتظارًا بالنسبة للأسير إلى لحظات قاسية من الألم والقهر.
السحور… أحيانًا مجرد ماء
يتحدث عودة عن معاناة السحور داخل السجن، مشيرًا إلى أنه خلال عامين ورمضانين قضاهما في الاعتقال لم يتمكن من تناول السحور إلا بالماء فقط.
ويصف السحور بأنه “معركة الصبر الأخيرة”، حيث يحاول الأسرى الاحتفاظ بجزء صغير من طعامهم لساعات الفجر.
وفي ظل منع إدخال السكريات، كان بعض الأسرى يلجأون إلى حيل بسيطة لإضفاء طعم مختلف على الطعام.
ويروي عودة قصة تعكس حجم الحرمان، حيث كان بعض الأسرى يضيفون معجون الأسنان إلى الطعام بسبب مذاقه السكري، فقط ليشعروا بطعم الحلوى ولو للحظات.
العبادة رغم القيود
ورغم القيود القاسية، لم يتخلَّ الأسرى عن روح رمضان، يقول عودة إنه كان يقيم جلسات للمدائح النبوية بعد الصلاة داخل القسم، رغم تعرضه للعقاب أكثر من مرة بسبب ذلك.
كما كان الأسرى الذين يحفظون القرآن الكريم يقومون بتعليم غيرهم الحفظ عن ظهر قلب، خاصة في ظل منع إدخال المصاحف داخل السجون.
وكان الأسرى ينظمون مسابقات دينية وثقافية صغيرة ويقدمون جوائز رمزية، في محاولة لكسر رتابة الحياة داخل المعتقل.
رسالة من قلب التجربة
وفي ختام حديثه، وجه الأسير المحرر عبد العزيز عودة رسالة مؤثرة إلى أهالي الأسرى، قال فيها:
“أعلم حجم الألم الذي تعيشونه، لأنني عشت الحرمان كما عاشه أهلي. أسأل الله أن يفرج عن جميع الأسرى وأن يجمعهم قريبًا بعائلاتهم.”
كما وجه رسالة إلى الأسرى داخل السجون، داعيًا إياهم إلى الصبر والتماسك، والمحافظة على المحبة بينهم ويضيف: “تمسكوا ببعضكم وخففوا عن بعضكم، فالفرج قريب بإذن الله.”
لمتابعة حلقة الأسير المحرر عبد العزيز عودة ضمن برنامج معسكرات الاعتقال: حين يقاوم الجوع.. القيد، موائد رمضان خلف القضبان




