تقارير وحوارات

22 عاماً من الأسر… والإهمال الطبي ينهش جسد الأسير أحمد بسيسي

منذ اعتقاله في 17 كانون الثاني/يناير 2004، أصبح الانتظار عنوانًا دائمًا لعائلة الأسير أحمد إبراهيم أحمد بسيسي (47 عامًا) من بلدة رامين شرق طولكرم. أكثر من عقدين من الغياب مرّا بكل ما حملاه من أفراح وأحزان، بينما كانت العائلة بأمسّ الحاجة إلى حضوره سندًا لها. وخلال تلك السنوات، ذاقت والدته، وزوجته، وابنه الوحيد مرارة الفقد والحرمان، وصبرًا لا يعرف ثقله إلا أهالي الأسرى.
وفي مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، أفرج الاحتلال عن نجله الأسير عبد الرحمن بسيسي (23 عامًا)، بعد عامين من الاعتقال. وخلال تلك الفترة، ظل يتمنى لقاء والده داخل السجن، ولو لدقائق، ليخفف شيئًا من قسوة الغياب، إلا أن الاحتلال حرمه حتى من هذا الحلم.
ولم يكن أول ما تحدث عنه عبد الرحمن بعد تحرره معاناته الشخصية في السجون، بل ألمه لأنه خرج إلى الحرية دون أن يلتقي والده، الذي ما يزال يقضي سنوات حكمه خلف القضبان.
ولدت هذه الحسرة مع عبد الرحمن منذ أيامه الأولى؛ فحين اعتُقل والده كان طفلًا لم يتجاوز عمره 38 يومًا، إذ ولد في 9 كانون الأول/ديسمبر 2003.
كبر عبد الرحمن، وكبر معه غياب والده، حتى بات عمره يكاد يساوي سنوات اعتقال أبيه، المحكوم بالسجن لمدة 25 عامًا. وطوال هذه السنوات، حُرم أحمد بسيسي من رؤية نجله يكبر أمام عينيه، كما حُرم ابنه من أن يعيش طفولته وشبابه إلى جوار والده، فيما لم تنقطع رسائل العائلة إليه: اصبر… فقد اقترب اللقاء، وإن فاض الحنين.
وتحملت والدة عبد الرحمن مسؤولية تربيته وحدها، فكانت له الأم والأب في آن واحد، بينما كان والده يقضي سنوات عمره خلف القضبان. كبر الابن وهو يفتقد والده في تفاصيل حياته كلها؛ في طفولته، ودراسته، ومناسباته، وحتى لحظة تحرره، إذ كان يتمنى أن يكون والده أول المستقبلين له، رغم يقينه بأنه ما يزال أسيرًا. لكنه حلم آخر صادره الاحتلال كما صادر سنوات عمرهما.
واليوم، تؤكد عائلة الأسير أحمد بسيسي أن وضعه الصحي يتدهور بصورة مقلقة، إذ يحتاج إلى عملية جراحية لم يُسمح بإجرائها حتى الآن. كما يعاني من تضخم في الغدة، وكتلة في أسفل الظهر، وآلام شديدة في الفك نتيجة وجود أسنان زائدة تضغط على الفك، إلى جانب معاناته المستمرة من الإهمال الطبي. ورغم وجود ملف طبي يوثق حالته، وتقدمه بطلبات متكررة للعلاج، فإن سلطات الاحتلال ما تزال ترفض الاستجابة لها.
وخلال سياسة التجويع المستمرة في سجون الاحتلال، فقد الأسير أحمد بسيسي نحو 30 كيلوغرامًا من وزنه داخل سجن نفحة. ولم تتوقف معاناته عند المرض والجوع، إذ تعرض منذ مطلع العام الجاري لعمليات قمع متكررة، تجاوز عددها ثلاث مرات خلال شهر كانون الثاني/يناير، وأصيب في إحداها بكسر في كتفه.
وأبلغ أحمد بسيسي محاميه في إحدى الزيارات أنه لم يعد قادرًا على تحمل الضرب المتواصل، فيما أفادت عائلته بأن إدارة السجن جرّدته في إحدى المرات من ملابسه، وقيدته، وأجبرته على الجلوس في ساحة السجن تحت أشعة الشمس طوال يوم كامل.
واليوم، يقضي أحمد بسيسي عامه الثاني والعشرين في الأسر، مثقلًا بسنوات الغياب، وبجسد أنهكته الأمراض، وسياسات التجويع، والإهمال الطبي، والقمع، فيما لا تزال عائلته تنتظر اليوم الذي ينتهي فيه هذا الغياب الطويل، ويعود إليها حرًا.

زر الذهاب إلى الأعلى