تقارير وحوارات

سنتان ونصف من الغياب.. رائد صبيح في سجون الاحتلال وبناته يكبرن على سؤال: «بابا وين؟»

«لما اعتقلوه سلبوا مني روحي».. نور أبو حصيرة تنتظر زوجها الأسير رائد صبيح، وبناته يكبرن بعيدًا عن أبيهن، فيما لا تملك العائلة سوى الأمل ورسالة متقطعة وصلت إليها من أسير محرر: «ببعتلك سلامات ونفسه يعوضك عوض خير عن كل لحظة غاب عنكم فيها».
تفاصيل كثيرة كان يجب أن يعيشها معهم
هناك تفاصيل كثيرة تعيشها عائلة رائد صبيح، تفاصيل صغيرة في حياة أي عائلة، لكنها بالنسبة لزوجته نور وبناته أصبحت تذكيرًا دائمًا بغيابه.
تقول نور أبو حصيرة، زوجة الأسير الغزي المعتقل منذ آذار/مارس 2024:
«كان هو السند الوحيد معي، سندي وطبيبي ودوائي وكل إشي إلي.. فلما اعتقلوه سلبوا مني روحي».
تتحدث نور عن زوج غاب في واحدة من أصعب مراحل حياتها؛ كانت مصابة بإصابة خطيرة، وقد فقدت العائلة منزلها، وكانت بناتها الثلاث صغيرات، فيما كان أهلها في جنوب قطاع غزة.
لم تكن ظروف اعتقال رائد سهلة، ولم تكن الظروف التي ترك فيها زوجته وبناته أقل قسوة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت نور تواجه تفاصيل الحياة وحدها، وتحاول أن تكون السند لبناتها، وفي الوقت ذاته تبقى هي سندًا لرائد، رغم أنها لا تعرف عنه منذ نحو عام أي خبر مباشر.
تقول: «بحكي اليوم عن عيلة وبنات رائد صبيح.. عن بنات بكبروا بدون أبوهم، وبسألوا عنه: بابا وين؟ متى حيرجع؟».
بنت كبرت وهي تعدّ الثواني
جوري رائد أبو صبيح، ابنة الأسير، كانت شديدة التعلق بوالدها.
تقول إن يوم اعتقاله كان «أسوأ خبر ممكن يسمعه أي حد»، وإنها كانت تظن في البداية أن غيابه لن يطول.
«مسكت حالي وقلت برجع شهر شهرين.. والشهر شهرين تحولوا لسنة وسنتين. ما بنعد بالشهر، بنعد بالثانية.. كل لحظة أصعب من الثانية».
كانت جوري الوحيدة بين شقيقاتها التي كانت كبيرة وواعية بما يكفي لتعيش تفاصيل علاقتها بوالدها وتتذكرها.
وعندما تخرجت من المدرسة وحصلت على معدل 98%، كانت تتمنى أن يكون رائد إلى جانبها، أن يفرح بنجاحها، وأن تلتقط معه صورة يوم شهادتها.
لكن الأب الذي كانت تنتظر فرحته كان خلف القضبان.
تقول جوري: «يوم شهادتي عيطت.. لأنه وين بابا؟ بدي يكون معي ويفرح إلي وأتصور معه».
ثم تكبر بناته واحدة تلو الأخرى.
دخلت شقيقتاها الروضة، وكانت جوري معهما في خطواتهما الأولى، بينما ظل سؤال الأب حاضرًا في البيت.
أما أصغر بناته، فلا تعرف كيف تقول بابا؛ كان عمرها 11 شهرًا فقط عندما اعتُقل.
تكبر الطفلة دون أن تفهم لماذا يغيب الأب، ودون أن تمتلك من ذكرياتها معه ما يكفي لتجيب عن سؤالها حين تسأل عنه.
عام بلا خبر
تقول نور إن التواصل مع رائد أصبح شبه مستحيل، وإن ظروف التواصل مع المحامين وترتيب الزيارات تجعل العائلة عاجزة عن الاطمئنان عليه بصورة منتظمة.
«فعليًا صار إلي سنة مش عارفة أي خبر عن رائد».
المعلومة الوحيدة التي وصلت إليها في الفترة الأخيرة جاءت من أسرى محررين، نقلوا لها أن رائد يرسل لها السلام، وأنه يتمنى أن يعوضها خيرًا عن كل لحظة غاب فيها عن عائلته.
رسالة قصيرة، لكنها بالنسبة لعائلة تعيش الغياب كانت أكبر من مجرد كلمات؛ كانت دليلًا على أن رائد ما زال يتذكرهم، وأنه يحمل همّ زوجته وبناته رغم المسافة والقضبان.
1,316 أسيرًا.. وخلف كل رقم عائلة
رائد ليس رقمًا في قوائم أسرى قطاع غزة.
خلف كل أسير حكاية أم تنتظر، وزوجة تحاول الصمود، وأطفال يكبرون وهم يسألون عن آبائهم.
وتشير المعطيات إلى وجود 1,316 معتقلًا من قطاع غزة مصنفين لدى الاحتلال ضمن ما يسمى «المقاتلين غير الشرعيين»، فيما بلغ عدد المعتقلين وفق اعتراف الاحتلال 1,468 معتقلًا، وهو رقم تؤكد المؤسسات أنه غير دقيق.
ومنذ بدء الحرب، سُجلت أكثر من 25 ألفًا و600 حالة اعتقال في الضفة والقدس، دون أن تشمل معتقلي قطاع غزة.
وفي المقابل، أُفرج عن 1,024 أسيرًا في المرحلة الثانية من الصفقة، و1,700 في المرحلة الثالثة، و739 أسيرًا بعد انتهاء مراحل الصفقة حتى 7 أيلول/سبتمبر 2026.
لكن خلف هذه الأرقام تبقى مئات الحكايات التي لم تنتهِ بعد.
فبين معتقلي غزة، ارتقى 53 أسيرًا معلومي الهوية شهداء، فيما سُلّمت 930 جثمانًا دون قوائم تعريف، وجزء منها يعود إلى ما قبل «طوفان الأحرار».
وهناك 80 أسيرًا كانت صدرت بحقهم أحكام قبل حرب الإبادة، و43 أسيرًا انتهت محكومياتهم، ومع ذلك ما زالوا محتجزين.
أما من عادت جثامينهم إلى عائلاتهم، فلا تزال الحكاية أشد قسوة؛ إذ سُلّم جثمان أسير واحد فقط لعائلته، وهو الأسير إسماعيل خضر من غزة.
«أنا لسة سند لرائد»
رغم كل ما مرت به، لا تتحدث نور بلغة الاستسلام.
تقول إنها صابرة وراضية، وإنها رأت الكثير خلال الحرب، لكنها ما زالت تحاول أن تكون قوية من أجل بناتها، ومن أجل رائد.
«أنا لسة سند لرائد وبناتي.. ولرائد».
أما جوري، فترسل إلى والدها رسالة لا تحمل سوى الصبر والأمل:
«اصمد، لانو الفرج قريب، وإن شاء الله حترجع قريب».
وتوجه رسالتها إلى العالم بأن يقف إلى جانب الأسرى، وأن يكون سندًا لهم كما كانوا يومًا سندًا لشعبهم.
رائد صبيح غائب منذ آذار/مارس 2024، لكن غيابه لم يتوقف عند باب السجن.
غيابه حاضر في مقعد الأب الفارغ، وفي شهادة تخرج تنتظر فرحة لم تأتِ، وفي طفلة دخلت الروضة دون أن يمسك والدها بيدها، وفي طفلة أصغر منه لا تعرف حتى كيف تناديه.
سنتان مرّتا على رائد خلف القضبان، لكنهما مرّتا على بناته أيضًا.. سنتان من الأسئلة التي لا تجد جوابًا، ومن الانتظار الذي لا يعرف موعدًا للنهاية.
وربما أكثر ما تختصر به نور حكاية آلاف الأسرى هو قولها:
«الأسرى مش أرقام.. هدول في وراهم عيلة، أولاد وزوجة».
ولهذا، فإن قضية رائد وعائلته تمثل حكاية عائلات كاملة تُجبر على أن تكبر وهي تنتظر أبناءها، وتحتفل بنجاحاتهم وتمرّ بأيامهم الصعبة بغيابهم.
ويبقى الأمل الذي تتمسك به جوري ونور واحدًا: أن يأتي اليوم الذي يُفتح فيه باب البيت من جديد، ويدخل رائد لا كخبر وصل من بعيد، بل كأب يعود إلى بناته، وزوج يعود إلى زوجته، وإنسان يستعيد سنوات سُلبت منه ومن عائلته.

زر الذهاب إلى الأعلى