ألبوماتمعرض الصور

بناتي… صرخة أسير بقيت عالقة تحت الركام

كيف طاردت صرخة البنات والدهن خلف القضبان؟
حكاية أسيرٍ لم تستطع سنوات الأسر والتعذيب والتجويع أن تنسيه وجع فقد بناته فظل صدى أصواتهن يرافقه في المعتقل.

في إحدى ليالي الأسر، استيقظ المعتقلون على صرخة مزقت هدوء المكان:”بناتي… بناتي!” لم يفهم الأسرى في البداية ما الذي يحدث، ولا عن أي بنات يتحدث. ثم علا صوته:”بدي بناتي يا عالم… طلعوني بدي أروحلهم”
توجه نحو السياج، وواصل الصراخ، في مشهد نادر لم يشهده الأسرى من قبل؛ فشدة القمع داخل السجون تجعل مجرد التفكير في الاحتجاج أو رفع الصوت مخاطرة كبيرة.

لم تكن القيود وحدها ما أثقل جسد “أبو عدي” داخل السجن، فهناك قيدٌ آخر لا يراه أحد…

التف الأسرى حول أبو عدي، فبدأ يروي لهم لحظة القصف التي هدمت منزله فوق بناته الصغيرات. كان يتحدث ويبكي، يستعيد المشهد وكأنه يحدث أمامه في تلك اللحظة.

ظل يروي التفاصيل والدموع لا تفارق وجهه، حتى بدا وكأن الفاجعة وقعت للتو، رغم مرور أسابيع عليها.

ومنذ ذلك اليوم، لم يفارقه صوت بناته. كلما أغمض عينيه من شدة التعب، عاد إليهن في الحلم.

ثم يعود إلى واقعه، إلى الزنزانة، إلى القيد، وإلى الحقيقة التي لا يستطيع تغييرها.

لم تمر صرخات أبو عدي مرورًا عابرًا؛ فكل اعتداء، وكل ضربة، وكل عزل انفرادي، كانت تعيده إلى وجعه الأكبر. فالسجن بالنسبة له مساحة أخرى يحمل فيها فقده، وحيدًا، بعيدًا عن بناته اللواتي لم يستطع إخراجهن من تحت الركام.

لم تكن حكاية أبو عدي وجعًا منفردًا؛ فخلف القضبان يقبع كثير من الأسرى، لا سيما أسرى قطاع غزة، وهم يحملون فوق ألم الأسر وجع فقد الأحبة، ومرارة الرحيل دون وداع، وقلق الغياب دون معرفة مصير عائلاتهم أو تفاصيل ما حلّ بهم.
بين قيدٍ يقيّد أجسادهم، وذكرياتٍ تثقل أرواحهم، يعيش هؤلاء الأسرى وجعًا مضاعفًا؛ وجع الفقد الذي لم يجدوا فرصة لوداعه، ووجع الأسر الذي يحرمهم حتى من السؤال والاطمئنان.

زر الذهاب إلى الأعلى