تقارير وحوارات

الأسيرة جنى أبو وردة.. حافظة القرآن التي حوّلت الدامون إلى حلقة علم

كلُّ فتاةٍ معجبةٌ بأبيها، وفي قصة الأسيرة جنى إحسان أبو وردة (19 عامًا) من الخليل، تنقلب المعادلة مع الاحتفاظ بالمحبة ذاتها؛ فكلُّ أبٍ معجبٌ بابنته أيضًا. ووالد جنى، حين يتحدث عنها، يبدو كمن يتحدث عن جزءٍ من ذاته وشطرٍ من قلبه انتُزع منه. فمنذ غيابها عن المنزل، غاب شيءٌ من روحه، وأصبح الصبر دواءه الوحيد، يعينه ويعين أفراد العائلة على فراقها، حتى تطرق الحرية أبواب منزلهم.

تحدث مكتب إعلام الأسرى إلى والد الأسيرة جنى أبو وردة، للوقوف على أبرز تفاصيل قصتها ومعاناتها داخل سجن الدامون، ونقل حكايتها الإنسانية بما تحمله من أحلامٍ وطموحاتٍ عطّلها الاعتقال، وأرجأتها جلسات المحاكمة المتكررة.
في الثاني عشر من شباط/فبراير 2026 بدأت رحلة الأسر.

اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة ليلًا واعتقلت جنى في أجواء قارسة البرودة. جرى اعتقالها بطريقة وحشية، وتعرضت إحدى شقيقاتها للتنكيل خلال الاقتحام. كانت جنى ترتدي ملابس خفيفة، فسارع والدها لإحضار ملابس دافئة لها، لكنه فوجئ لاحقًا بأن الجنود ألقوا تلك الملابس في مكان قريب من المنزل، ولم يسمحوا بوصولها إليها.

وتقول العائلة إنها كانت تسمع صوت جنى من داخل جيب الاعتقال وهي تتعرض للضرب. وبعد ذلك نُقلت إلى سجن الشارون، حيث أمضت يومين، قبل تحويلها إلى سجن الدامون، وهناك بدأت معاناتها الحقيقية مع الاعتقال.

تتعرض جنى، شأنها شأن باقي الأسيرات، لعمليات قمع وتنكيل متكررة، تشمل التكبيل، والإلقاء على الأرض، والتفتيش المستمر للغرف. أما الطعام، فيُقدَّم بكميات قليلة وجودة متدنية، وباردًا في معظم الأحيان، حتى إنه لا يكفي لسد الجوع. كما تقتصر الرعاية الطبية على إعطاء المسكنات، دون توفير العلاج الحقيقي، في حين أن تلك المسكنات نفسها لا تخفف آلام الأسيرات.

وتعاني جنى من مرض الشقيقة، إلا أنها تُحرم من العلاج المناسب، كما تعاني من الحساسية، شأنها شأن عدد من الأسيرات، نتيجة انعدام النظافة، وضعف التهوية، وانتشار الرطوبة داخل السجن.
ورغم هذه الظروف القاسية، تحافظ جنى على ثباتها وروحها المعنوية العالية، وتبث الإرادة والأمل في نفوس الأسيرات.

وتتمتع بعلاقة طيبة مع الجميع، سواء داخل السجن أو في محيطها الاجتماعي خارجه.
وقبل نحو أسبوع، فقدت جنى جدتها، ولم تعلم بوفاتها إلا عبر إحدى الأسيرات الزائرات، في ظل استمرار حرمان عائلات الأسيرات من الزيارات منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، واستمرار حالة الطوارئ التي تفرضها إدارة السجون.

جنى طالبة في كلية الظاهرية، تدرس العلوم الشرعية، وهي حافظةٌ للقرآن الكريم. وقبل اعتقالها كانت قد أتمت حفظ نحو عشرين جزءًا، إلا أنها تمكنت خلال فترة اعتقالها، ورغم قسوة الظروف، من إتمام حفظ القرآن الكريم كاملًا. ولم يتوقف عطاؤها عند ذلك، فقد تحولت إلى معلمة للأسيرات، تُدرّسهن علوم القرآن والحديث، وتصنع لهن أجواءً إيمانية داخل الدامون. كما أنها كاتبة وشاعرة متميزة، تمتلك شغفًا كبيرًا بالمعرفة، وتسعى إلى تعلم كل ما تستطيع.

وتحلم جنى بإكمال دراسة البكالوريوس، ثم متابعة دراستها في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وأن يكون لها دور بارز في تعليم علوم القرآن الكريم وتفسيره وإعرابه، إلى جانب علوم الحديث. غير أن هذه الأحلام تقف اليوم أسيرة خلف القضبان، فيما تنتظر جلسة محاكمتها المقررة في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وفي منزلها كانت تُعرف بين شقيقاتها باسم “جنة”، وهو اللقب ذاته الذي أطلقته عليها الأسيرات داخل الدامون. فحيثما حضرت، حملت معها البهجة، وتميزت بشخصية محببة وقريبة من الجميع، حتى أجمع من عرفها على محبتها واحترامها، لتبقى “جنة” في بيتها، و”جنة” في سجنها.

“قد يقيد السجن الجسد، لكنه عجز عن أن يحجب نور القرآن الذي حملته جنى إلى كل من حولها”

زر الذهاب إلى الأعلى