العزل الانفرادي… سياسة جديدة لتعذيب أسيرات الدامون

لم تعد إدارة سجن “الدامون” تكتفي بسياسات التجويع والقمع والتنكيل والإذلال بحق الأسيرات، بل صعّدت خلال الأشهر الأخيرة من إجراءاتها العقابية عبر اللجوء إلى العزل الانفرادي بصورة متكررة ودون أي مبررات قانونية واضحة، في سياسة تهدد أوضاعهن النفسية والجسدية، وتفتح فصلاً جديداً من الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات.
ورصد مكتب إعلام الأسرى، من خلال متابعته وزيارات محامي مؤسسات الأسرى وشهادات عائلات الأسيرات، لجوء إدارة السجن إلى عزل ما بين ثلاث وأربع أسيرات في كل مرة، مع تبديل الأسيرات المعزولات بصورة شبه أسبوعية، دون إبلاغهن أو عائلاتهن بأي أسباب قانونية تبرر هذا الإجراء.
من القيادات إلى الأسيرات
لطالما استخدمت سلطات الاحتلال سياسة العزل الانفرادي بحق عدد من الأسرى، ولا سيما قيادات الحركة الأسيرة في سجني “مجدو” و”جانوت”، بهدف عزلهم عن محيطهم، وإضعاف تأثيرهم داخل السجون، وكسرهم نفسياً ومعنوياً، وقد امتدت فترات عزل بعضهم إلى سنوات طويلة تحت ذرائع أمنية واهية.
إلا أن هذه السياسة، التي كانت تقتصر في الغالب على الأسرى، بدأت خلال الأشهر الأخيرة تمتد إلى الأسيرات في سجن الدامون، في تطور خطير يعكس تصعيداً جديداً في أساليب العقاب منذ السابع من أكتوبر 2023.
عزل بلا مبررات
أكدت شهادات عائلات عدد من الأسيرات أن بناتهن تعرضن للعزل الانفرادي دون معرفة الأسباب أو إبلاغهن بأي قرار رسمي، فيما لم تتمكن غالبية العائلات من معرفة تفاصيل ما يجري داخل الدامون إلا عبر أسيرات محررات أو من خلال زيارات محدودة للمحامين.
ويأتي هذا الإجراء في ظل ظروف اعتقال قاسية تعيشها الأسيرات أساساً، تشمل التجويع، والإهمال الطبي، والقمع المتكرر، والحرمان من أبسط مقومات الحياة، الأمر الذي يجعل العزل الانفرادي أداة إضافية لتعميق معاناتهن النفسية والجسدية.
مخالفة صريحة للقانون الدولي
بحسب القانون الدولي والمعايير الحقوقية، يُعد العزل الانفرادي إجراءً استثنائياً لا يجوز اللجوء إليه إلا في أضيق الحدود، ولأقصر مدة ممكنة، مع توفير رقابة قضائية وضمان حق السجين في التواصل الإنساني والحصول على استشارة قانونية.
كما تعتبر لجنة مناهضة التعذيب أن استمرار العزل الانفرادي، ولا سيما إذا تجاوز خمسة عشر يوماً، قد يرقى إلى مستوى التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
إلا أن ما يجري داخل سجون الاحتلال يتجاوز هذه المعايير بصورة ممنهجة، إذ يُستخدم العزل كوسيلة للعقاب والانتقام، دون رقابة قضائية حقيقية، ودون تمكين الأسرى والأسيرات من الاعتراض على قرارات عزلهم أو معرفة أسبابها.
رقابة غائبة… وانتهاكات تتصاعد
ساهم غياب زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتضييق على المحامين، ومنع زيارات الأهالي، في تمادي إدارة السجون في ممارسة هذه السياسة بحق الأسيرات، حتى أصبحت كثير من العائلات لا تعلم أن ابنتها خضعت للعزل إلا بعد خروج أسيرات محررات أو عبر زيارات قانونية محدودة.
كما أن ظروف الاحتجاز داخل الدامون تثير مخاوف إضافية، إذ تعيش الأسيرات غير المعزولات في غرف تعاني الرطوبة، وانتشار الحشرات، وسوء التهوية وانعدام الإضاءة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الظروف التي تُحتجز فيها الأسيرات داخل زنازين العزل الانفرادي.
آية فقها… عزل مستمر ومعاناة متفاقمة
تقف الأسيرة آية حاتم فقها (34 عاماً) من بلدة كفر اللبد شرق طولكرم، مثالاً على هذه السياسة، إذ لا تزال تخضع للعزل الانفرادي منذ اعتقالها بتاريخ 26/2/2026، في الوقت الذي ما زالت فيه موقوفة وتنتظر جلسة محاكمة جديدة خلال شهر أغسطس/آب المقبل.
وأكدت عائلتها لمكتب إعلام الأسرى أن آية تعاني، إلى جانب العزل، من التجويع والقمع والتنكيل، وقد أصابها الهزال نتيجة ظروف الاعتقال، لكنها بعثت برسالة أكدت فيها أن معنوياتها لا تزال مرتفعة رغم حجم المعاناة التي تعيشها.
شاتيلا أبو عيادة… عشر سنوات من الاعتقال وتهديد دائم بالعزل
كما تعرضت الأسيرة شاتيلا سليمان أبو عيادة (33 عاماً) من بلدة كفر قاسم في الداخل الفلسطيني المحتل للعزل الانفرادي، دون أن تعرف عائلتها الأسباب أو تفاصيل ما تعرضت له.
ورغم خروجها من العزل لاحقاً، فإنها، كسائر أسيرات الدامون، لا تزال مهددة بإعادتها إليه في أي وقت، في ظل اعتماد إدارة السجن هذه السياسة دون مبررات واضحة.
وتُعد شاتيلا أقدم الأسيرات المعتقلات حالياً في سجن الدامون، إذ تقبع في الأسر منذ 3/4/2016، وتقضي حكماً بالسجن لمدة ستة عشر عاماً، بعدما حُرمت من الحرية خلال صفقة “طوفان الأحرار” بسبب كونها من فلسطينيي الداخل المحتل.
وتعاني الأسيرة من ارتفاع حاد في إنزيمات الكبد، فيما ناشدت عائلتها المؤسسات الحقوقية والإنسانية التدخل لمعرفة وضعها الصحي والعمل على تفعيل قضيتها.
حتى المصحف أصبح سبباً للعقاب
ولا يقف الأمر عند حدود العزل الانفرادي، إذ تؤكد شهادات الأسيرات أن إدارة الدامون تفرض عقوبات قاسية لأسباب بالغة البساطة، كاستخدام الملابس وسادةً، أو الاحتفاظ بملعقة، أو حتى قراءة القرآن الكريم.
وأكد زوج الأسيرة والكاتبة لمى خاطر أن قوات القمع اعتدت عليها وعلى أسيرتين أخريين بسبب وجود مصاحف داخل غرفتهن، قبل أن توسع اعتداءها ليشمل بقية الأسيرات.
سياسة ممنهجة
تكشف الوقائع التي رصدها مكتب إعلام الأسرى أن العزل الانفرادي لم يعد إجراءً استثنائياً داخل سجن الدامون، بل تحول إلى سياسة عقابية ممنهجة تستهدف كسر الأسيرات نفسياً وجسدياً، بالتوازي مع التجويع والإهمال الطبي والقمع المتواصل.
وفي ظل غياب الرقابة الدولية واستمرار الصمت تجاه ما تتعرض له الأسيرات، تتسع دائرة الانتهاكات داخل الدامون، في ممارسات تتعارض بشكل صارخ مع قواعد القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية، وترقى، في كثير من صورها، إلى مستوى التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.




