تقارير وحوارات

“أنقذونا قبل أن تفقدونا”.. إسراء خمايسة تروي حكاية النساء اللواتي ما زلن يعشن في “القبر”

لم يكن أول ما طلبته الصحفية الفلسطينية المحررة إسراء أشرف خمايسة طعامًا فاخرًا، ولا رحلةً لتعويض شهور الغياب، ولا حتى النوم في سرير منزلها. كل ما أرادته بعد تسعة أشهر من الاعتقال هو أن تعانق طفلها، وأن تمرر فرشاةً في شعرها الذي حُرم من أبسط مظاهر العناية طوال فترة احتجازها.

وحين خرجت من بوابة سجن الدامون، لم تصف لحظة الحرية بأنها نهاية الاعتقال، بل ولادة جديدة بعد موتٍ بطيء، قائلة: “إحنا انولدنا من جديد… كنا عايشين في قبر”.

بهذه الكلمات اختزلت المصورة الصحفية الفلسطينية تجربة تسعة أشهر من العزل والقهر والحرمان، تاركة خلفها نحو مئة أسيرة فلسطينّية ما زلن يواجهن الظروف ذاتها، وحاملة رسالة واحدة إلى العالم: “أنقذونا قبل أن تفقدونا”.

اعتقال بسبب منشور

كانت قوات الاحتلال قد اعتقلت خمايسة (30 عامًا)، وهي مصورة فوتوغرافية ومصممة جرافيك من بلدة تفوح غرب الخليل، فجر 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد اقتحام منزل عائلتها بقوة عسكرية كبيرة. ووجّهت إليها لاحقًا تهمة “التحريض” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تهمة باتت تستخدمها سلطات الاحتلال على نطاق واسع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لملاحقة الفلسطينيين على خلفية نشاطهم الرقمي.

وخلال الأشهر التسعة التي قضتها في سجن الدامون، خضعت للتحقيق والعزل الانفرادي، قبل أن يفرج عنها الخميس الماضي.

ما كنا نعرف كم الساعة”

تصف خمايسة الحياة داخل السجن بأنها حالة من الانقطاع الكامل عن العالم، حيث يغيب الزمن كما تغيب الحياة نفسها.

تقول: “ما بنسمع أخبار عن العالم، حتى إنك ما بتعرفي كم الساعة.”

وتضيف أن محاولاتها لرؤية الشمس كانت تنتهي دائمًا بمشهد القضبان والأسلاك المعدنية، دون أي وسيلة لمعرفة الوقت أو الإحساس بتعاقب الليل والنهار، في واقع تصفه بأنه أقرب إلى العيش داخل قبر مغلق.

حين تصبح فرشاة الشعر حلمًا

لم يكن الحرمان داخل السجن مقتصرًا على الحرية، بل امتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى تلك التي ترتبط بالكرامة الإنسانية والهوية الشخصية.

تروي خمايسة أن إدارة السجن صادرت ملابس الصلاة الملونة، واستبدلتها بملابس بنية موحدة، فيما كانت السجانات يصادرن حتى ربطات الشعر التي تصنعها الأسيرات من بقايا القماش.

وتقول بأسى: “كان نفسي أمشط شعري بفرشاية… تسعة شهور ما حطيت فرشاية بشعري.”

وعندما وقفت أمام المرآة بعد الإفراج عنها، لم تتعرف إلى ملامحها بسهولة، قبل أن تعانق طفلها وتهمس له: “أنا طلعت من القبر.”

غذاء لا يكفي طفلًا

وتكشف خمايسة عن ظروف معيشية قاسية داخل المعتقل، حيث كانت الوجبات، بحسب وصفها، لا تكفي طفلًا صغيرًا.

وتوضح أن الطعام كان يقتصر على ثلاث ملاعق من الأرز، وقليل من الخضار الفاسدة، وأقل من 200 ملليلتر من الشوربة، مضيفة: “لو حطيت هالأكل لولد صغير ما راح يرضى ياكله.”

أما الحصول على العلاج أو الملابس الصيفية أو الحجاب، فكان يتطلب تقديم شكاوى متكررة واللجوء إلى المحاكم، في ظل تجاهل إدارة السجن لأبسط الحقوق الأساسية للأسيرات.

العقاب على قطعة قماش

وتصف خمايسة سياسة العقوبات داخل السجن بأنها امتدت إلى تفاصيل لا يمكن تخيلها.

فقد كانت قوات القمع تقتحم الغرف في ساعات الليل لأسباب وصفتها بـ”التافهة”، منها العثور على سبحة صنعتها الأسيرات من القماش، أو قطعة كرتون استخدمنها للتخفيف من حرارة الصيف، بحجة أنها تشكل خطرًا أمنيًا.

وتشير إلى أن الغرفة الواحدة كانت تضم ما بين 12 و14 أسيرة، فيما تعرضت الأسيرات لعقوبات جماعية امتدت لأسابيع، بذريعة العثور على حبة دواء أسفل إحدى الخزائن.

الحرية… المطلب الوحيد

ورغم شهور الحرمان الطويلة، تؤكد خمايسة أن أكثر ما تغير بعد الإفراج عنها هو نظرتها إلى الحياة.

وتقول إن كل من التقاها كان يسألها عن الطعام الذي تشتهيه أو الأشياء التي ترغب بها، لكنها كانت تردد دائمًا: “ما بدي إشي من الدنيا.”

وتضيف أن جميع الأسيرات اللواتي تركتهن خلفها لا يحلمن إلا بشيء واحد: العودة إلى عائلاتهن.

“تركت خلفي 90 أسيرة، كل وحدة إلها عيلة وحلم… وحدة بدها ترجع لأولادها، ووحدة لأمها وأبوها، ووحدة لجامعتها وشغلها… كلهم بدهم ترجع ضحكتهم.”

رسالة من خلف القضبان

غادرت إسراء خمايسة سجن الدامون، لكن جزءًا كبيرًا منها بقي خلف الأبواب الحديدية مع الأسيرات اللواتي ما زلن ينتظرن الحرية.

ولم تحمل معها بيانًا سياسيًا أو خطابًا طويلًا، بل رسالة إنسانية واحدة، تختصر ما تعيشه النساء الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية، وتختزل خوفهن من أن يسبق النسيان حريتهن:

أنقذونا… قبل أن تفقدونا.”

زر الذهاب إلى الأعلى