تقارير وحوارات

حين تصبح الكاميرا تهمة.. الصحفيون الفلسطينيون بين الاعتقال والإخفاء

منذ اللحظة الأولى للإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، تحول الصحفي الفلسطيني من ناقل للحقيقة إلى هدف مباشر لسياسات القتل والاعتقال والإخفاء.
فالكاميرا التي وثّقت الدمار، والميكروفون الذي نقل أصوات الضحايا، أصبحا في نظر الاحتلال دليلًا يجب طمسه، وشاهدًا يجب إسكاته، إما بالاغتيال أو الاعتقال.

واليوم، بين صحفيٍ ارتقى برصاص الاحتلال، وآخر اعتُقل بذريعة “التحريض”، وثالث لا يزال رهن الإخفاء القسري، تتكشف واحدة من أوسع الحملات الممنهجة التي استهدفت الصحافة الفلسطينية. ويرصد مكتب إعلام الأسرى، بالأرقام والوقائع، حجم هذه الانتهاكات.

أرقام تختصر المأساة

بحسب معطيات مؤسسات الأسرى، ارتقى منذ بدء العدوان أكثر من 260 صحفيًا وصحفية برصاص الاحتلال، في استهدافٍ ممنهج اعتبرته المؤسسات محاولة لإسكات الشهود على الجرائم.

وبالتوازي مع سياسة القتل، صعّد الاحتلال من حملات الاعتقال، إذ اعتقل واحتجز أكثر من 240 صحفيًا وصحفية من مختلف الأراضي الفلسطينية منذ بداية العدوان، بينهم صحفيات ومصورون وموثقون ميدانيون.

ولا يزال نحو 40 صحفيًا وصحفية رهن الاعتقال حتى اليوم، من بينهم 20 صحفيًا معتقلون إداريًا دون تهمة أو محاكمة، استنادًا إلى ما يسمى بـ”الملف السري”، الذي يحرمهم من أبسط ضمانات المحاكمة العادلة.

ويتحمل صحفيو قطاع غزة النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات؛ إذ لا يقل عدد المعتقلين منهم عن 14 صحفيًا وصحفية، فيما لا يزال الصحفيان نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد رهن الإخفاء القسري منذ السابع من أكتوبر، دون إعلان الاحتلال عن مكان احتجازهما أو مصيرهما، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.

من الإهمال الطبي إلى الحبس المنزلي

لم تقتصر الانتهاكات على الاعتقال والإخفاء القسري، ففي آذار/مارس 2026 استشهد الصحفي مروان حرز الله داخل سجن “مجدو”، نتيجة الحرمان المتعمد من العلاج، رغم معاناته من إصابة سابقة أدت إلى بتر إحدى قدميه، في جريمة تجسد سياسة القتل البطيء التي يتعرض لها الأسرى المرضى داخل سجون الاحتلال.

وفي القدس المحتلة، اتخذت الانتهاكات شكلًا آخر عبر فرض الحبس المنزلي على عدد من الصحفيين، بينهم سمية جوابرة وبيان الجعبة، في محاولة لتقييد حركتهم ومنعهم من ممارسة عملهم، بما يعكس تنوع أدوات الاحتلال في استهداف الإعلام الفلسطيني.

منظومة قمع داخل السجون

وفق توثيق مؤسسات الأسرى، يتعرض الصحفيون المعتقلون لمنظومة متكاملة من الانتهاكات تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع الممنهج، والإهمال الطبي، والإذلال اليومي، والعزل الانفرادي، والحرمان من الحقوق الأساسية.

ولا يفرّق الاحتلال في ممارساته بين الصحفي والأسير السياسي، بل يُستهدف الصحفي أحيانًا بعقوبات أشد بسبب دوره في توثيق الجرائم ونقل الحقيقة إلى العالم.

جريمة تستوجب المساءلة

يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، في ظل استمرار القتل الممنهج، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والانتهاكات داخل السجون.

ويجدد مطالبته بالإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المعتقلين، والكشف عن مصير الصحفيين المخفيين قسرًا، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم والهيئات الدولية المختصة.

ويبقى السؤال حاضرًا: بينما يتابع العالم الحرب عبر عدسات الصحفيين الفلسطينيين، من يوثق معاناة أولئك الذين وثّقوا معاناة شعبهم؟ ومن يروي قصة الصحفي عندما يصبح هو نفسه خبرًا خلف القضبان

زر الذهاب إلى الأعلى