بين الغيبوبة والأسر والعزل.. عام ونصف سرق من عمر حمادة البنا

بين طابور طويل ينتظر المساعدات الإنسانية، ولحظة انفجار قلبت حياته رأسًا على عقب، تبدأ حكاية الشاب حمادة عبد البنا؛ حكاية تختصر جانبًا من المأساة التي عاشها آلاف الفلسطينيين خلال الحرب على قطاع غزة.
لم يخرج حمادة في ذلك اليوم بحثًا عن بطولة، بل عن كيس طحين يسد جوع أسرته، بعدما أصبح والده عاجزًا عن الحركة إثر إصابة في قدمه. حمل الكيس على كتفه، معتقدًا أن رحلته انتهت، لكن الحرب كانت تُعد له طريقًا آخر؛ طريقًا امتد أكثر من عام ونصف بين الغيبوبة والسجن والعزلة، بينما كانت عائلته تعتقد أنه استشهد، حتى أقامت له بيت عزاء استمر ثلاثة أيام.
رحلة بدأت بلقمة خبز
توجّه حمادة برفقة شقيقه أدهم إلى نقطة توزيع المساعدات، لكن الزحام الهائل فرّق بينهما، كما كان يحدث يوميًا في مشاهد البحث عن الغذاء داخل القطاع المحاصر .
وبينما كان يستعد للعودة، تلقى اتصالًا هاتفيًا أخبره بأن شقيقه أدهم استشهد. كانت الصدمة قاسية، خصوصًا أنه كان قد فقد شقيقه الآخر أمجد قبل شهرين فقط.
ألقى كيس الطحين أرضًا، وركض يبحث بين الجثامين والأشلاء عن أخيه، قبل أن ينتهي كل شيء بانفجار عنيف قذفه في الهواء، لتغيب بعدها ذاكرته وحياته عن العالم.
ستة أشهر بين الحياة والموت
استفاق حمادة في مستشفى لا يعرفه، محاطًا بوجوه غريبة، وجسدٍ أنهكته الإصابات. كانت الشظايا قد استقرت في قلبه وأماكن متفرقة من جسده، فيما أخبرته طبيبة تتحدث العربية أنه قضى ستة أشهر كاملة في غيبوبة داخل مستشفى “سوروكا”.
لم يكن يتذكر اسمه أو عائلته أو حتى تفاصيل حياته. وحين سألها متى سيتمكن من الوقوف على قدميه، جاءه الرد الصادم: لم يكن قادرًا حتى على تحريك يده.
من المستشفى إلى الزنزانة
كان يعتقد أن العلاج سيكون آخر محطات الألم، لكن ما إن انتهت فترة مكوثه في المستشفى حتى قُيّدت يداه وقدماه، ونُقل إلى زنزانة انفرادية، يصفها بأنها “أصغر من الحمام”، حيث أمضى أربعة أشهر كاملة معزولًا عن العالم.
لا يزال حمادة يتساءل عن سبب اعتقاله. يقول إنه لم يكن منتميًا لأي تنظيم، ولم يكن يحمل سلاحًا، بل خرج فقط ليؤمن الطعام لأسرته، تاركًا خلفه خطيبة كان يستعد للزواج منها، وحياةً توقفت فجأة دون سابق إنذار.
عندما يصبح الموت أمنية
داخل الزنزانة، بلغ اليأس بحمادة حدّ محاولة إنهاء حياته أكثر من مرة.
ويروي أن من كانوا يحرسونه كانوا يردّون على تلك المحاولات برش غاز الفلفل في عينيه، والتحدث إليه بلغة لا يفهمها، بينما كان يعيش عزلة كاملة لا يعرف فيها شيئًا عن مصيره أو مصير عائلته.
لاحقًا نُقل إلى سجن “سديه تيمان”، حيث أمضى قرابة عام في ظروف يصفها بأنها الأقسى منذ اعتقاله.
يتحدث عن تعذيب يومي، واقتحامات متكررة، وضرب مبرح، وقذائف كانت تُلقى داخل الغرف خلال ساعات الليل بينما المعتقلون نيام، حتى أصبح يتمنى الموت على استمرار تلك المعاناة.
الإفراج… دون مقدمات
في أحد الأيام، حضر ضابط إلى السجن، ونادى على سبعة معتقلين، بينهم حمادة، وأمرهم بمرافقته دون أي تفسير.
لم يكن يعلم إن كان ذاهبًا إلى تحقيق جديد، أم إلى مكان احتجاز آخر، حتى فوجئ بمن يخبره بأنه سيُفرج عنه.
خرج إلى الشارع غير مصدّق ما يجري، يسير في حالة ذهول، ويطلب من كل من يلقاه هاتفًا لإجراء مكالمة مع أسرته، إلى أن شاهده أفراد من الصليب الأحمر، وساعدوه على التواصل مع ذويه.
“أنا حمادة”… لكن أحدًا لم يصدق
حين اتصل بوالديه، سألاه عن هويته.
قال: “أنا حمادة لكن الرد جاء صادمًا؛ فقد اعتقد والداه أن شخصًا يعبث بمشاعرهما، وأخبراه أن حمادة استشهد منذ زمن، وأنهما أقاما له عزاءً استمر ثلاثة أيام.
لم يجد وسيلة لإثبات الحقيقة سوى العودة بنفسه إلى الحي الذي نشأ فيه ، ومن بعيد لمح والدته
، ركض نحوها بكل ما بقي فيه من قوة، بينما كانت هي تركض نحوه غير مصدقة ما تراه.
التقيا في عناق طويل، اختلطت فيه الدموع بالذهول، بعد أكثر من عام ونصف من الفقد والانتظار، في مشهد بدا وكأنه عودة شخص من عالم الغياب.
مأساة تتجاوز قصة فرد
قصة حمادة عبد البنا ليست رواية استثنائية بقدر ما تمثل نموذجًا لما يرويه عشرات الأسرى الفلسطينيين الذين خرجوا من المعتقلات الإسرائيلية بعد أشهر طويلة من الانقطاع الكامل عن عائلاتهم.
فبين الاعتقال دون توجيه تهم واضحة، والعزل المطول، والحرمان من التواصل مع الأهل، والظروف التي يصفها الأسرى المحررون بأنها قاسية وغير إنسانية، تتكرر قصص تختلط فيها معاناة الأسر بفقدان الأخبار، حتى إن بعض العائلات تضطر لإقامة بيوت عزاء لأبنائها، قبل أن يعود بعضهم بعد شهور أو سنوات، حاملين على أجسادهم وذاكرتهم آثار تجربة يصعب محوها




