تقارير وحوارات

الدامون يحتجز الطفولة: أربع قاصرات خلف القضبان

حين يعتقل الاحتلال طفلةً من منزلها، فإنه لا يسلبها حريتها فحسب، بل ينتزع منها طفولتها، ويفتح عينيها قسرًا على واقع القمع والسجون قبل أوانه. يسرق منها حقها في التعليم، ويختطف براءة أيامها، ويترك في ذاكرتها ندوبًا وأسئلةً ترافقها طويلًا، حتى بعد أن تستعيد حريتها وتعود إلى أحضان عائلتها.

ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال يحتجز أربع أسيرات قاصرات في سجن الدامون، من بين نحو 94 أسيرة، يواجهن ظروفًا قاسية من القمع والتنكيل، ويُحرمن من حقهن في تقديم الامتحانات، في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون منذ السابع من أكتوبر، وما رافقها من سحبٍ لإنجازات الحركة الأسيرة، وفي مقدمتها الحق في مواصلة التعليم والحصول على الشهادات الدراسية من داخل الأسر.

علا، وندى، وهناء، وسالي… أربع حكايات تتشابه في الوجع وتختلف في التفاصيل. اقتيدن من طوباس والخليل ورام الله إلى مراكز التحقيق، ثم إلى سجن الدامون، حيث وجدت طفولتهن نفسها مضطرة لفهم معنى الأسر قبل أن تكتمل سنواتها. انتُزعت منهن أحلامهن قسرًا، وما تزال ثلاث منهن موقوفات، فيما تخضع الرابعة لاعتقال إداري متجدد.

ووفق تصنيف إدارة السجون، تجاوزت الأسيرتان سالي محمد صدقة (18 عامًا) من قرية المدية غرب رام الله، وهناء نعيم حماد (18 عامًا) من مخيم العروب شمال الخليل، سن الطفولة، فنُقلتا من غرفة القاصرات، رغم أنهما لا تزالان تُعدّان قاصرتين وفق القانون الفلسطيني والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

اعتُقلت سالي بتاريخ 5/1/2025 على حاجز عسكري، وأمضت 36 يومًا في مركز تحقيق المسكوبية، معزولة عن العالم والهواء وضوء الشمس، بعد تعرضها للضرب أثناء نقلها إلى مركز التحقيق. وحتى اليوم، ما تزال موقوفة وتواجه محاكمات متكررة دون صدور حكم بحقها.

منذ عام وسبعة أشهر، تعيش سالي في دوامة المحاكم المؤجلة، دون أن تعرف عائلتها موعد الجلسة المقبلة. وكان يفترض بها أن تكون اليوم بين زميلاتها في قاعة امتحان الثانوية العامة، إلا أن الاعتقال حرمها من إكمال الصف الحادي عشر، ومن الوصول إلى امتحانات الثانوية العامة.
كانت سالي تدرس في الفرع العلمي، وتحلم بأن تصبح طبيبة. وكان من المقرر أن تُعقد لها جلسة محاكمة مطلع يونيو الماضي، إلا أنها أُلغيت بسبب الأوضاع الأمنية، وأُجلت إلى موعد غير معلوم.

وتتشابه قصة هناء نعيم حماد مع قصة سالي. فقد اعتُقلت من منزلها بتاريخ 9/6/2025، ثم حُولت إلى الاعتقال الإداري، وفي 2/6/2026 جُدد اعتقالها للمرة الرابعة لمدة أربعة أشهر.

اعتُقلت هناء وهي في الصف الحادي عشر، فحُرمت من إكمال عامها الدراسي ومن التقدم لامتحانات الثانوية العامة، كما أصبحت، وفق تصنيف إدارة السجون، خارج فئة القاصرات، رغم استمرار اعتبارها طفلة بموجب القانون.

وفي الغرفة رقم (12)، تقبع أيضًا الأسيرتان القاصرتان علا عبد الناصر قطيشات (16 عامًا)، وندى إياد بني عودة (17 عامًا)، وكلتاهما من بلدة طمون بمحافظة طوباس، حيث تعيشان ظروف توقيف قاسية ومحاكم متكررة منذ اعتقالهما.

وتُعد علا أصغر أسيرة في سجن الدامون. اعتُقلت بتاريخ 24/5/2026، ومثلت أمام ثلاث جلسات محاكمة، فيما أُجلت آخر جلسة إلى 28/7/2026. وتبدي عائلتها مخاوف متزايدة على حالتها النفسية، مطالبة بنقلها إلى غرف الأسيرات، بعد أن فرضت عليها وعلى ندى عزلة نتيجة بقائهما وحدهما في الغرفة.

وفي الليلة التي سبقت اعتقالها، نامت علا على أمل الاستيقاظ لتقديم امتحان اللغة الإنجليزية في مدرستها، لكنها تستيقظ اليوم على أصوات الاقتحامات والقمع، بعدما حُرمت من المدرسة، ومن الكتب، والأقلام، وأوراق الامتحانات.

أما ندى بني عودة، فقد اعتُقلت بتاريخ 12/2/2026، على خلفية نعيها لشقيقها الشهيد وديع بني عودة، الذي ارتقى في 15/5/2025.

كانت ندى طالبة متفوقة في الفرع الأدبي، تتصدر صفها وتحلم بأن تكون الأولى على مستوى محافظتها، لكن الاعتقال تحول إلى حاجز حال دون تحقيق هذا الحلم. وكما أخبر ضابط الاحتلال والدتها: “السنة فش توجيهي”، فقد حُرمت بالفعل من تقديم امتحانات الثانوية العامة.

أمضت ندى أربعة أيام في مستوطنة “أرئيل” قبل نقلها إلى سجن الدامون، ومنذ ذلك الحين تواجه محاكم متكررة، بلغ عددها نحو تسع جلسات مؤجلة، وما تزال بانتظار جلسات جديدة، بينما تبقى أحلامها معلقة خلف القضبان.

ندى، وعلا، وسالي، وهناء… أربع أسيرات من بين نحو 360 طفلًا فلسطينيًا يقبعون في سجون الاحتلال.

لم يُسلب هؤلاء الأطفال حقهم في التعليم فحسب وإنما حُرموا أيضًا من طفولتهم وحياتهم الطبيعية. ومع تصاعد حملات الاعتقال بحق النساء والأطفال، تبقى احتمالات تكرار هذه القصص مفتوحة في كل مدينة وقرية فلسطينية، لتتحول معاناة الطفولة إلى مشهد يتكرر بالوجع ذاته، وإن اختلفت الأسماء والأماكن.

زر الذهاب إلى الأعلى