تقارير وحوارات

أسامة الجعبري.. طفلٌ يواجه الاعتقال الإداري والمرض خلف القضبان

في السابعة عشرة من عمره، وجد الأسير أسامة محمد الجعبري، من مدينة الخليل، نفسه في قسم الأشبال في سجن “مجدو”. وهناك تعرّف للمرة الأولى إلى واقع الاعتقال؛ ما معنى جلسات تجديد الاعتقال، وما هو الاعتقال الإداري، ولماذا يتحول إلى ملف مفتوح بلا نهاية، ولماذا يُحرم من التواصل مع عائلته وزيارتها، ولماذا يقبع خلف القضبان بدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة.

لم تكن والدة أسامة تعلم أن ليلة السادس من نيسان/أبريل 2026 ستكون آخر ليلة يقضيها ابنها البكر في منزله. تعاملت معها كأي ليلة اعتيادية؛ تحدثت معه عن أحلامه وطموحاته، وطلبت منه النوم مبكرًا، لأنهما كانا يعتزمان في صباح اليوم التالي زيارة جدته المريضة.

خلد أسامة إلى النوم قرابة الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، ثم نامت والدته بعده بساعة. وفي الثانية فجرًا، استيقظت مذعورة على وقع طرقٍ عنيف على باب المنزل. وما إن فتحته حتى فوجئت بجنود الاحتلال يقتحمون المنزل. لم يمنحوها فرصة لاستيعاب ما يجري، إذ توجهوا مباشرة إلى غرفة أسامة، وسحبوه من فراشه بعد أن انتزعوا عنه غطاءه، بينما لم يكن قد استيقظ بعد أو أدرك ما يحدث حوله. ثم دفعوا والدته إلى داخل الغرفة، وطلبوا هويته وسترةً يرتديها، وأخبروه بأن يودّع والدته، إلا أن هول الصدمة حال دون أن ينطق بكلمة. واقتادوه معتقلاً فجر السابع من نيسان/أبريل 2026.

بعد اعتقاله، تبيّن أن جدته، التي كان يعتزم زيارتها في صباح اليوم التالي، مصابة بمرض السرطان في مراحله المتقدمة. ولم يمهلها المرض طويلًا، إذ توفيت بعد شهرين من اعتقاله، ورحلت دون أن تتمكن من رؤية حفيدها. أما أسامة، فلم يكن يعلم أن تلك الزيارة التي خطط لها مع والدته لن تتحقق أبدًا.

وفي أول لقاء جمعه بمحاميه، طلبت العائلة منه أن يخبر أسامة بأن وضع جدته الصحي حرج، رغم أنها كانت قد فارقت الحياة، تمهيدًا لإبلاغه بالخبر. وفي الزيارة التالية، أخبره المحامي بوفاتها.

عندما صدر أول أمر اعتقال إداري بحق أسامة، اعتقدت العائلة أنه سيكون الأخير، لكنها صُدمت بتجديده ثلاث مرات. ومن المقرر أن ينتهي آخر أمر إداري بحقه في الرابع من آب/أغسطس 2026، بينما لا تعرف العائلة إن كان سيكون الأخير أم ستتجدد معاناته مرة أخرى.

وتقول عائلة الأسير: “كانت الأيام التي حُوّل فيها أسامة إلى الاعتقال الإداري من أصعب الأيام التي مررنا بها، مليئة بالمرارة والحزن، لكننا نصبر على فراقه، وننتظر عودته ليعيش حياته الطبيعية ويعود إلى مقاعد الدراسة.”

أسامة هو الابن البكر لعائلته. وكانت والدته تنتظر بفخر انتهاءه من المرحلة الثانوية، إذ كان من المفترض أن يتقدم هذا العام لامتحانات الثانوية العامة في مدرسته بالخليل، لكن الاعتقال بدّد تلك الخطط. وتقول: “المهم أن يخرج أسامة حرًا، وكل شيء يمكن تعويضه.”

وعندما سُئلت عن ثقل هذه الأيام على قلبها، كادت الدموع تسبق كلماتها، وقالت: “أسامة طالب في الفرع الشرعي، وكنا نحلم بأن يصبح قاضيًا. وكان يستعد للسفر إلى قطر بعد انتهاء الثانوية العامة لدراسة القضاء الشرعي، لكن كل تلك الأحلام توقفت في لحظة.”

ولا تمر الليالي خفيفة على قلب والدته، إذ تكاد أخبار ابنها تكون مقطوعة بسبب استمرار حالة الطوارئ وحرمان الأهالي من زيارة أبنائهم في السجون. ولا تعلم إن كان قد فقد الكثير من وزنه أو كيف أصبح شكله بعد أشهر الاعتقال والتجويع. وكل ما وصلها عبر أسرى محررين من قسم الأشبال في سجن “مجدو” أن أسامة أُصيب بمرض الجرب (Scabies)، وخضع للعزل الصحي، وأنه ما يزال صابرًا محتسبًا.

زر الذهاب إلى الأعلى