تقارير وحوارات

الاحتلال يحرم 65 طالبًا أسيرًا من حقهم في التقدّم للامتحان

مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة..

يواصل الاحتلال الإسرائيلي اعتقال نحو 360 طفلًا فلسطينيًا، بينهم 65 طالبًا كانوا على أعتاب التقدّم لامتحانات الثانوية العامة، بعدما حُرموا من حق يُعد في أي مكان آخر من العالم حقًا طبيعيًا لا يجوز المساس به. وهنا لا يُسلب الحق وحده، بل يُسلب أصحابه، وتُسرق معهم أحلام عائلاتهم بمستقبل آمن وحياة مستقرة بعيدًا عن الاحتلال وانتهاكاته.

وبينما يتوجه طلبة الثانوية العامة إلى قاعات الامتحان في مختلف المحافظات، تتوقف اليوم قلوب أمهات الأسرى الطلبة. يؤمنّ بقضاء الله وقدره، ويوقنّ أن في كل محنة حكمة، لكن الألم الذي يعتصر قلوبهن على مستقبل أبنائهن المسلوب خلف القضبان لا يغيب.

ولا تشمل هذه الأرقام الأطفال الذين اعتُقلوا قبل أعوام، ثم تجاوزوا السن القانونية للطفولة داخل السجون، بعدما حُرموا طوال سنوات اعتقالهم من حقهم في التعليم. غادرت الطفولة أعمارهم خلف القضبان، لكن أحلامهم بقيت معلقة، فلا هم عادوا إلى مدارسهم، ولا استطاعوا استكمال تعليمهم.

ويتناول مكتب إعلام الأسرى في هذا التقرير أحد أبرز الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين، والمتمثل في الاعتقال وحرمانهم من حقهم في التعليم والتقدّم لامتحانات الثانوية العامة، مؤكدًا أن الاعتقالات طالت أطفالًا من مختلف محافظات الوطن، لكل واحد منهم اسم، وحكاية، وحق مسلوب.

تقول والدة الأسير محمد جمال حروب (17 عامًا)، من بلدة دورا بمحافظة الخليل، والذي حرمه اعتقاله من أداء امتحان الثانوية العامة هذا العام برفقة أبناء جيله: “الحمد لله على كل حال، نحن نؤمن بأن كل شرٍّ خلقه الله فيه خير، ونؤمن بأن لله حكمة في كل شيء، وراضون بحكمه وقضائه. صحيح أن قلوبنا تحزن، لكننا نسلم أمرنا لله”.

والأسير محمد معتقل منذ تاريخ 10/5/2025، ويعاني، إلى جانب حرمانه من التعليم، من الاعتقال الإداري، منتظرًا حريته والعودة إلى مقاعد الدراسة. وقد أمضى عامًا في الاعتقال الإداري، وبدأ عامًا آخر، بينما لا تزال حريته معلقة، ويقضي طفولته في قسم الأشبال في سجن عوفر.

محمد ليس مجرد رقم؛ بل هو صاحب أحلام تقول والدته إنها تفوق سنّه. يحب العلم، ويهوى الخطابة، وقد ألّف كتابًا رغم صغر سنه، وكان ينتظر نشره. أما حلمه بدراسة الكيمياء، فقد بات مؤجلًا حتى يستعيد حريته ويعود إلى مقاعد الدراسة التي حُرم منها قسرًا.

وعلى غرار قصة محمد، يُحرم أيضًا الأسير أيوب يحيى اشتية (18 عامًا)، من قرية سالم بمحافظة نابلس، من حقه في التقدّم لامتحانات الثانوية العامة. فقد كان يستعد قبل اعتقاله في 31/10/2024 لخوض الامتحانات، إلا أن استمرار اعتقاله حرمه من ذلك، وكان يفترض أن يكون اليوم على مقاعد الدراسة.

وبحسب قوانين الاحتلال، خرج أيوب من دائرة الطفولة، لكنه لا يزال طفلَ عائلته الذي ينتظر الجميع عودته إلى أحلامه. ويقبع اليوم في سجن النقب، ويعاني الاعتقال الإداري الذي جُدد بحقه أربع مرات.

كان أحمد عبد العزيز يستعد لخوض امتحانات الثانوية العامة، واضعا نصب عينيه هدفا واحدا النجاح في التوجيهي والالتحاق بكلية هندسة الديكور ليحول شغفه بالنجارة والتصميم إلى مستقبل طالما حلم به.

أحمد، وهو طالب في مدرسة الصناعة بمدينة طولكرم، تخصص النجارة والديكور، اعتقل في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر ألفين وخمسة وعشرين من مخيم نور شمس، وصدر بحقه قرار اعتقال إداري دون توجيه أي تهمة.

اليوم، يقبع أحمد خلف القضبان، بينما يواصل زملاؤه دراستهم واستعدادهم للامتحانات. أما حلمه بإنهاء الثانوية العامة ودراسة هندسة الديكور فقد أصبح مؤجلا بفعل الاعتقال .

كما تُحرم الأسيرة ندى إياد عودة (17 عامًا)، من بلدة طمون بمحافظة طوباس، وإحدى أصغر الأسيرات في سجن الدامون، من حقها في أداء امتحانات الثانوية العامة هذا العام. وتقول والدتها: “ندى كانت الأولى على فرعها، والنار في قلبي لا تنطفئ، وكسرة الخاطر ترافقني مع توجه طلبة الثانوية العامة إلى امتحاناتهم، لكننا مؤمنون بأن كل ما يقدره الله هو خير”.

واعتُقلت ندى من منزلها بتاريخ 12/2/2026، ولا تزال موقوفة حتى اليوم. وكانت طالبة في الفرع الأدبي والأولى على صفها، ولم تتمكن من استكمال الفصل الدراسي الثاني. وكانت تحلم بأن تكون الأولى على محافظة طوباس، لكن الاحتلال سرق منها هذا الحلم.

وتُحرم كذلك الأسيرة سالي محمد عودة (18 عامًا)، من قرية المدية بمحافظة رام الله، والمعتقلة منذ 5/1/2025، من حقها في أداء امتحانات الثانوية العامة. وتقول والدتها: “سالي معتقلة منذ سنة وسبعة أشهر، وكان من المفترض أن تتقدم اليوم مع زميلاتها لامتحان الثانوية العامة، لكنها اليوم رهينة سجن الدامون. الحمد لله على كل حال، ضاعت فرحة عمري، والله وحده يعلم بحالي. كانت سالي في الفرع العلمي، وتحلم بأن تصبح طبيبة، لكن الاحتلال حرمها من هذا الحق”.

وكذلك يقبع الاحتلال بالأسيرة هناء نعيم حماد (18 عامًا)، من مخيم العروب بمحافظة الخليل، رهن الاعتقال الإداري منذ 9/6/2025، ويحرمها اليوم من أداء امتحانات الثانوية العامة. وقد كتبت والدتها: “تمنيت أن أرى ابنتي تغادر المنزل متجهة إلى امتحان الثانوية العامة، وتطلب مني الدعاء والرضا”.

واليوم، حُرمت كل من سالي وهناء من التقدّم لامتحانات الثانوية العامة. وعند اعتقالهما كانتا لا تزالان طالبتين في الصف الحادي عشر، لكن أقلامهما وكتبهما الدراسية استُبدلت بقرارات المحاكم ومواعيد الحرية المؤجلة، فيما تعيشان ظروف القمع والتنكيل داخل سجن الدامون.

و في أحد منازل مدينة الخليل، لم تنم والدة الأسير أسامة محمد الجعبري (17 عامًا) ليلتها. بقيت تستحضر المشهد الذي كان من المفترض أن تعيشه صباحًا، وهي تودّع نجلها متوجهًا إلى امتحان الثانوية العامة، قبل أن يحول الاعتقال بينه وبين مقعده الدراسي.

وتقول في حديثها لمكتب إعلام الأسرى: “أسامة بكري، وأول فرحتي. لم أستطع النوم ليلة الامتحان، لكنني مؤمنة بأن الله اختار له الخير. أسامة يدرس في الفرع الشرعي، واعتُقل في السابع من نيسان/أبريل 2025، ويقبع رهن الاعتقال الإداري الذي جُدد بحقه ثلاث مرات. وهو محتجز في قسم الأشبال في سجن مجدو، وقد علمت من أسرى أشبال تحرروا من القسم أنه أُصيب بمرض الجرب (السكابيوس) ووُضع في الحجر.”

وتُسرق طفولة الفلسطينيين أمام أنظار العالم. ومع استمرار ما تسميه سلطات الاحتلال “حالة الطوارئ” داخل السجون، مُنع الأسرى من حقهم في التعليم والتقدّم للامتحانات، وتوقفت مختلف المراحل التعليمية. ورغم أن الأسرى خاضوا على مدار سنوات معارك وإضرابات عن الطعام انتزعوا خلالها حقهم في التعليم، فإن هذا الحق سُلب بالكامل منذ السابع من أكتوبر، وصودرت الكتب والأوراق والأقلام وكل ما يمكن أن يُبقي الأسير على صلة بالتعليم أو بالعالم الخارجي.

تأجل حلم خمسةٍ وستين طالبًا وطالبة اليوم، فيما يقبع مئات الأطفال الفلسطينيين خلف القضبان بلا مقاعد دراسية ولا حق في التعليم، وخمسة وستون منهم حُرموا حتى من التقدّم لامتحانات الثانوية العامة. وفي أقسام الأشبال في سجني مجدو وعوفر، يصارع الأطفال الجوع والقمع، وربما لا يعلم كثير منهم أن امتحاناتهم قد بدأت، وأن زملاءهم شرعوا في رسم ملامح مستقبلهم، بينما يبقى مستقبلهم رهينة الزنازين، والأحكام، وأوامر الاعتقال الإداري.

زر الذهاب إلى الأعلى