تقارير وحوارات

من قاعة الامتحان إلى زنزانة الدامون.. حكاية الطفلة الأسيرة علا قطيشات

في الليلة التي كانت تستعد فيها لاجتياز امتحان اللغة الإنجليزية، لم تكن الطفلة علا قطيشات تعلم أن صباحها لن يبدأ في المدرسة، بل في رحلة اعتقال ستسلبها طفولتها ومقعدها الدراسي.

بعد منتصف الليل، استيقظت عائلة في بلدة طمون بمحافظة طوباس على أصوات جنود الاحتلال وهم يقتحمون منزلهم. لم يمنحهم عدد الجنود وطريقة الاقتحام فرصة لاستيعاب ما يجري، أو حتى لتخيّل أن ابنتهم الصغيرة ستكون هدفاً للاعتقال. كانت علا قد نامت استعداداً ليومها الدراسي، وكل ما يشغلها تحقيق علامة مميزة في امتحان اللغة الإنجليزية الذي سهرت لأجله. وفي لحظة، تبدلت حياة طفلة وعائلة كاملة.

اليوم، تعيش الأسيرة الطفلة علا عبد الناصر قطيشات (16 عاماً)، من بلدة طمون، داخل غرفة في سجن “الدامون”، ترافقها فيها الأسيرة الطفلة ندى إياد بني عودة (17 عاماً) من البلدة ذاتها. وتعزل الطفلتان عن باقي الأسيرات في غرفة واحدة، بعدما كان يفترض أن تكون مقاعد الدراسة ملاذهما، فإذا بهما تقضيان أيامهما خلف القضبان.
وتحدث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلة الأسيرة علا للاطلاع على آخر أوضاعها، وعلى ما تعيشه من حرمان من طفولتها، في ظل الاعتقال والمحاكم المؤجلة بلا سقف زمني.

تروي العائلة تفاصيل ليلة الاعتقال التي لا تزال حاضرة في ذاكرتها، قائلة: “كانت علا تدرس مع شقيقتها؛ تستعد لامتحان اللغة الإنجليزية، بينما كانت شقيقتها تراجع لامتحانات الثانوية العامة. عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، استيقظنا لنجد المنزل مكتظاً بالجنود. لم يمهلونا حتى لندرك ما يحدث، فسارعنا إلى ارتداء ملابس الصلاة، ثم عزلونا عن بعضنا”.

وتستعيد شقيقة علا تفاصيل تلك الليلة المؤلمة، التي لا تزال ترافقها حتى وهي تستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة، فيما حُرمت علا من استكمال امتحانات الصف الحادي عشر في الفرع التجاري.

وتقول: “أصيبت أمي بالذعر من منظر الجنود داخل المنزل. بقيت إلى جانب علا، وكان الجنود يتصرفون بعنف ووحشية، ولا يتحدثون العربية، فلم نفهم ماذا يريدون. أبعدوني عنها، ثم التقطوا لها صوراً، وأحضرت إحدى المجندات لتفتيشنا، لكننا رفضنا ذلك. فجأة رأيتهم يقيدون شقيقتي بالأصفاد، فحاولت معرفة السبب، كما حاول والداي فك قيودها، ورفعت الغطاء الذي وضعوه على عينيها، لكننا كنا جميعاً تحت وقع الصدمة”.

اقتيدت علا وهي مقيدة اليدين ومعصوبة العينين، فيما احتُجز أفراد عائلتها جانباً. وعندما حاولت شقيقتها ووالداها اللحاق بها وهم يصرخون: “إنها طفلة… أعيدوها”، ألقى الجنود قنبلة صوت باتجاههم.
وخلال الاقتحام، عبث الجنود بمحتويات المنزل وألحقوا به أضراراً، قبل أن يعتقلوا علا، التي كان همّها الوحيد في تلك الليلة تقديم امتحانها المدرسي. واليوم، تخوض امتحاناً من نوع آخر لا يعرف أحد قسوته.

وتقول شقيقتها: “كانت علا متحمسة لامتحاناتي، وكانت تخطط لإقامة حفل صغير بعد نجاحي في الثانوية العامة. اليوم غابت عن المنزل، وتركت فراغاً كبيراً. أمي متأثرة كثيراً باعتقالها، وما زلت أتذكر طلبها من أمي إعداد المعول، حتى إنها أرسلت لاحقاً رسالة تسأل إن كنا قد أعددناه”.

ومنذ اعتقالها بتاريخ 24/5/2026، تعيش عائلة علا قلقاً متواصلاً، فهي في نهاية المطاف طفلة لم تكمل عامها السادس عشر. وخلال فترة اعتقالها، عُقدت لها ثلاث جلسات محاكمة، فيما أُجلت آخر جلسة حتى تاريخ 28/7/2026، لتبقى مصيرها معلقاً بانتظار قرار جديد.
كما تقدمت العائلة بطلب لنقل علا وندى من الغرفة التي تعزلان فيها بمفردهما إلى غرفة تضم أسيرات أخريات، مؤكدة أن الحالة النفسية لعلا تتدهور نتيجة العزل، والحرمان من الزيارة، وانقطاع التواصل المباشر مع أسرتها.
وتؤكد العائلة أن ابنتها تتحلى بالصبر والقوة، فقد قاومت الجنود ورفضت الاعتقال حتى اللحظة الأخيرة، لكنها تبقى طفلة تحتاج إلى العودة إلى منزلها، وإلى حضن والديها، وإلى مقعدها الدراسي، لتكمل حلمها في إنهاء دراستها في الفرع التجاري، ثم دراسة الصحافة، وتحقيق طموحها في الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين، وترك بصمة في مجتمعها ووطنها.

زر الذهاب إلى الأعلى