تقارير وحوارات

القيادي عبد الخالق النتشة.. شيخوخةٌ ينهشها العزل والإهمال الطبي

واحد وسبعون عاماً من العمر والعطاء لبلاده وقضيته العادلة ووطنه المسلوب، لم ينضب فيها عطاؤه يوماً. كانت الاعتقالات عنوان حياته منذ عام 1984، إذ تزاحمت السنوات فوق بعضها، وسرقت من عمره وصحته الكثير، ولا يزال عزل مجدو شاهداً على آلامه وصبره، فيما يواصل الاعتقال الإداري عدّاده بانتظار خلاصه نحو الحرية وعودته إلى زوجته ومنزله الذي يشتاق إليه.
لأشهر طويلة، لم تعرف عائلة الأسير القيادي الشيخ عبد الخالق حسن النتشة (71 عاماً) من الخليل أي أخبار عنه، بعد أن أعاد الاحتلال اعتقاله بتاريخ 11/3/2025، ثم حوّل ملفه إلى الاعتقال الإداري، قبل أن يجدد أمر اعتقاله منذ شهرين لمدة ستة أشهر إضافية.
وكان الأسير عبد الخالق النتشة قد نُقل من سجن عوفر في شهر أبريل/نيسان 2025 إلى عزل سجن مجدو، وهناك انقطعت أخباره عن العالم، وانقطعت عائلته عن أخباره إلا قليلاً. تقول زوجته في حديثها لمكتب إعلام الأسرى:
“لأشهر طويلة جداً لم نعرف عنه أي شيء، حتى زارته المحامية قبل أيام”.
لم تكن الأخبار التي حملتها المحامية لعائلة الأسير النتشة مطمئنة، لكنها شكلت أملاً تمسكت به زوجته بعد انقطاع طويل وحبلٍ من الشوق أثقل قلبها. فعائلات الأسرى ترى في الزيارات نافذة أمل وصبراً على الحياة حتى يصلها خبر جديد عن أسيرها. وتقول زوجة الأسير عبد الخالق النتشة:
“زوجي أمضى أكثر من 26 عاماً في سجون الاحتلال بين أحكام فعلية واعتقالات إدارية، وهو يعاني من عدة أمراض، أبرزها الحساسية، ومشكلات في الكلى، والتهاب البروستاتا، وارتفاع ضغط الدم، وحساسية في الصدر والجلد”.
وكان الأسير النتشة قد أُصيب خلال فترة حريته المحدودة بفيروس كورونا، الذي أثر بشكل كبير على حالته الصحية، كما أجرى خلال وجوده خارج الأسر عملية قسطرة في القلب والرئتين، ما يجعل أوضاعه الصحية مجتمعة لا تحتمل استمرار اعتقاله.
وتؤكد زوجته أنه عُرض على الطبيب عدة مرات، إلا أنه لم يتلقَّ العلاج اللازم لمشكلات الكلى والحساسية التي يعاني منها.
أما الأيام التي تعيشها عائلة الأسير عبد الخالق النتشة بانتظار أي خبر يطمئن قلوبهم عنه، فتصفها زوجته بأنها شديدة القسوة، قائلة:
“نعيش بدونه في قلق وحرمان واشتياق وحنين، الأوضاع صعبة للغاية، والتفكير لا يتوقف، وأيام ثقيلة تمر على النفس، فلا زيارة ولا اتصال يطمئن قلوبنا عليه”.
كما علمت عائلة الأسير عبد الخالق النتشة أنه، إلى جانب أسرى آخرين، تعرض في عزل مجدو للقمع والتنكيل والتفتيش العاري، ما ضاعف قلقهم مع تزايد الأخبار الواردة عن أوضاع العزل، الذي بات يوصف حرفياً بالمقبرة.
ويعيش الأسير عبد الخالق النتشة أياماً قاسية في عزل مجدو، إلى جانب عشرة أسرى آخرين هم: حسن سلامة، بلال البرغوثي، عبد الله البرغوثي، عاصم البرغوثي، جمال الهور، عاهد أبو غلمة، مهند شريم، معمر شحرور، رزق الرجوب، ومناضل انفيعات. ويذوق هؤلاء الأسرى مرارة العزل في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، وما يرافقها من سياسة تجويع وإهمال طبي وحرمان من العلاج الملائم لأعمارهم وأوضاعهم الصحية.
وليس بعيداً عن هذه المعاناة، خرج الأسير قصي مرعي من عزل مجدو بعدما كان يرافق هذه الأسماء الصابرة، حاملاً يداً مكسورة وأضلاعاً منهكة وجسداً يحاول بكل ما فيه أن يسير بمحاذاة عائلته، ناقلاً رسالة واضحة مفادها أن الأسرى داخل هذا العزل يعيشون أوضاعاً تشبه الجحيم.
الأسير عبد الخالق النتشة رجل بدأت رحلة اعتقاله منذ عام 1984، وتواصلت عبر السنوات ليكون قد أمضى حتى اليوم أكثر من 26 عاماً في سجون الاحتلال، بينها عشر سنوات متواصلة. كما هدم الاحتلال منزله عام 2002، وهو أحد مبعدي مرج الزهور عام 1991. ويحمل رصيداً علمياً كبيراً؛ إذ حصل على درجة البكالوريوس في الحديث النبوي من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ودرجة الماجستير في الفقه والتشريع من جامعة النجاح. إنسان يحمل هذا القدر من العلم والصبر كان يستحق حياةً من الراحة والطمأنينة، لكنه لا يزال يعيش ابتلاءً مستمراً منذ سنوات طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى