من النزوح إلى الزنازين.. رحلة عذاب عاشها أسير فلسطيني داخل المعتقلات

في الزنازين المغلقة، بعيدًا عن عدسات الكاميرات وصوت العالم، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين واقعًا إنسانيًا قاسيًا، تُسلب فيه الكرامة كما تُسلب الحرية. هناك، لا يتوقف الألم عند حدود الاعتقال، بل يبدأ فصل طويل من القهر والتجويع والتعذيب والعزل، في ظروف يصفها الأسرى المحررون بأنها “أقرب إلى الجحيم”.
شهادات الأسرى الخارجين من المعتقلات الإسرائيلية تكشف يومًا بعد آخر حجم الانتهاكات التي تُرتكب خلف القضبان، حيث يتحول الإنسان إلى رقم، ويُترك المرضى وكبار السن والأطفال في مواجهة المعاناة دون رعاية أو حماية أو حتى الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية.
الأسير المحرر أحمد جمال البطنيجي واحد من هؤلاء الذين خرجوا حاملين على أجسادهم آثار التعذيب، وفي ذاكرتهم مشاهد لا تُنسى من الإهانة والقهر. يروي البطنيجي تفاصيل اعتقاله بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عبر حاجز “نيتساريم”، أثناء نزوحه مع زوجته وأطفاله نحو جنوب قطاع غزة، في رحلة بحث عن النجاة من الحرب.
لكن الرحلة تحولت إلى مأساة، بعدما جرى اعتقاله مع عشرات المدنيين ونقلهم إلى مراكز احتجاز وتحقيق داخل الأراضي المحتلة، حيث بدأت رحلة أخرى من المعاناة.
ويؤكد البطنيجي أن قوات الاحتلال تعاملت مع المعتقلين بوحشية شديدة، إذ تم تجريدهم من ملابسهم، وتقييد أيديهم بقيود بلاستيكية محكمة ما تزال آثارها محفورة في يديه حتى اليوم، قبل أن يتعرضوا للضرب والسحل والإهانات المتكررة.
ويقول إن ما تعرض له الأسرى لم يكن مجرد احتجاز، بل سياسة ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، شملت الضرب المبرح، والتجويع، والحرمان من النوم، وتعصيب الأعين، والتعرض للبرد القارس لساعات طويلة، إضافة إلى تشغيل الموسيقى الصاخبة بشكل متواصل أثناء التحقيق.
وأشار إلى أن أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر أصبحت أكثر قسوة ووحشية، خاصة بحق أسرى قطاع غزة، حيث يعاني المعتقلون من نقص حاد في الطعام والملابس والعلاج، وسط غياب كامل لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.
وأضاف أن المرضى وكبار السن، بمن فيهم المصابون بالسكري والسرطان، لا يحظون بأي معاملة خاصة أو رعاية صحية، بل يتعرضون للمعاملة ذاتها من القمع والإذلال والإهمال الطبي.
كما كشف البطنيجي عن حرمان الأسرى من التواصل مع المحامين أو استقبال زيارات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في ظل غياب أي رقابة حقيقية على ما يجري داخل المعتقلات، مؤكدًا أن كثيرًا من الأسرى يتم تمديد اعتقالهم دون محاكمات عادلة وتحت ذرائع مختلفة.
وختم الأسير المحرر شهادته بنداء إنساني عاجل إلى العالم والمؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبًا بالتحرك الفوري لإنقاذ الأسرى الفلسطينيين من واقع وصفه بـ”المأساوي”، والعمل على ضمان الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية من علاج وطعام وحماية قانونية وإنسانية.
وقال: “هناك أسرى يُعذّبون كل يوم بعيدًا عن أعين العالم… أسرى ينتظرون فقط أن يشعر أحد بإنسانيتهم”.




