تقارير وحوارات

جراحٌ لا تلتئم.. الأسير عمار نصر الله بين الألم والإهمال الطبي


الاقتحامات الليلية لمنازل الأسرى، وطرق الأبواب أحياناً وتفجيرها أحياناً أخرى، وجرّ الأسير أمام عائلته، وضربه وركله وتكبيل يديه وتعصيب عينيه، وإن كانت جميعها اعتداءات تحمل وحشيةً لا يمكن وصفها، وانتهاكاً لحرمة المنزل وأمان الأطفال النيام والعائلة الآمنة، إلا أنها تظل أهون قليلاً من اعتقالٍ على يد قواتٍ خاصة ترافقه محاولة اغتيال وإطلاق نار، حتى وإن كان ذلك في وضح النهار. وتظل أهون من محاولة محو التفاصيل الموجعة من ذاكرة من عاش لحظة الاعتقال الأولى وصوت الرصاص، ولا يزال يسمعه في أحيانٍ كثيرة، وكأن المشهد، لهوله، يتكرر أمام ناظريه في كل لحظة.
في ذاكرة زوجة الأسير عمار عبد القادر نصر الله (37 عاماً) من مخيم طولكرم، صورةٌ حيّة للحظة اعتقال زوجها لا تغادر مخيلتها ولا أوجاع قلبها. فمن بين يديها اعتُقل، وأمام ناظريها أصابته قواتٌ خاصة بالرصاص. وإن كانت قد نجت بأعجوبة مما حدث أثناء مرافقتها له، فإنها نجت بجسدها فقط، أما روحها وقلبها فما زالا معلقين مع زوجها في سجنه، وفي رحلة المطالبة بعلاجه وزيارات المحامين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياته.
بتاريخ 5/6/2024 اعتقل الاحتلال الأسير عمار نصر الله أمام ناظر زوجته، بعد أن حاصرت قواتٌ خاصة المنزل وأطلقت الرصاص على كلتا قدميه، فيما نجت زوجته بأعجوبة. مكث أربعة أشهر في المستشفى بعد اعتقاله، وأُجريت له أربع عمليات جراحية في قدميه، وجرى تركيب بلاتين وأسياخ له، ولا تزال رحلة علاجه في بدايتها. وتؤكد زوجته، في حديثها لمكتب إعلام الأسرى، أنه لا يزال بحاجة إلى عدة عمليات جراحية، فحالة قدميه صعبة للغاية، وكذلك وضعه الصحي، وهو مُسجّل في السجن كأسيرٍ من ذوي الإعاقة، إذ لا يستطيع المشي إلا باستخدام “الووكر”.
وعلاوةً على آثار إصابته وأوجاع قدميه وصحته المتردية، فقد خسر الأسير عمار نصر الله الكثير من وزنه؛ إذ تؤكد زوجته أن وزنه كان 105 كغم، بينما وصل اليوم إلى 63 كغم. وهو يطالب بالعلاج بسبب معاناته من آلام شديدة في قدميه، في حين ترفض إدارة السجن الاستجابة لطلبه.
ولا تعرف عائلة الأسير عمار نصر الله شيئاً عن أخباره إلا عبر أسرى محررين خرجوا من قسمه أو من خلال زيارات المحامين. وتشير العائلة إلى أن أجور المحامين تزيد الأوضاع صعوبة، خاصة في ظل قطع رواتب الأسرى، فيما تحاول العائلة متابعة أخباره وملفه الصحي قدر الإمكان.
وحول ملفه القانوني، تبذل العائلة جهداً حثيثاً لمنع إصدار حكمٍ عالٍ بحقه، نظراً لأن وضعه الصحي لا يحتمل استمرار اعتقاله، وهو بحاجة إلى متابعة طبية مستمرة وعلاج حقيقي، وهو ما لا يتوفر في سجون الاحتلال، في ظل استمرار حالة الطوارئ وعزل الأسرى تماماً عن العالم الخارجي وحرمانهم من أدنى مقومات الحياة الآدمية.
وفي سجن مجدو، يترقب الأسير الجريح عمار نصر الله ما ستؤول إليه الأمور، وينتظر على أحرّ من الجمر خبراً يطمئنه على عائلته وأطفاله وزوجته. فهو أبٌ لثلاثة أطفال: إلياس وتيم وجهاد. أما تيم وإلياس، فيعرفان في سنّهما الصغيرة معنى الاعتقال، بينما كان جهاد يبلغ من العمر خمسة أشهر حين اعتُقل والده، أما اليوم فقد أصبح بعمر السنتين ونصف، لا يعرف والده ولا يتذكره، وكذلك عمار لا يعرف كيف أصبحت ملامح طفله.
وحتى اليوم، تحاول زوجة الأسير عمار نصر الله محو صورة إصابة زوجها أمام عينيها من ذاكرتها؛ كيف أُصيب بالرصاص وهي بجانبه، وكيف أسعفته وأوقفت نزيفه، رغم انتشار القوات الخاصة حولها وصعوبة الوضع ومطالبتهم لها بالابتعاد عنه. لكنها حمته بكل ما تملك من قوة. وحين زاره المحامي، لم ينسَ أن يشكرها على تضحيتها ومحبتها. وهي اليوم تقف موقف الأب والأم لأطفالها الثلاثة، تداري حزنهم على غياب والدهم، وتخفي قلقها على إصابته، حتى تنتهي معركتهم مع الانتظار، ويعود الأمن والاستقرار ليزورا منزلهم من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى