تقارير وحوارات

ثمانية أسرى منذ ما قبل أوسلو: عزلة ممتدة وحرية مؤجلة منذ أربعة عقود

في الماضي البعيد، كان الأسرى، وإن طالت سنوات حياتهم، يتأقلمون مع الأيام بروتينٍ خاص، على أمل أن النهاية ستأتي يومًا ما، وأن أبواب الزنازين لا بد أن تُفتح لحريتهم.
كان العالم الخارجي، وإن لم يكن في متناول أيديهم، تصلهم أخباره؛ يتابعون كل ما يحدث فيه، بل ويعرفون أحيانًا أكثر ممن هم خارجه. وكانت الثقافة ملجأ كل أسير.
لكن، بعد إعلان حالة الطوارئ في سجون الاحتلال، بدأت نكبة جديدة داخل السجون.
يجمع الأسرى المحررون، حال خروجهم من الأسر، على وصفٍ واحد:
الأسرى أموات في الداخل…
سُلبت منهم الأرواح قبل الأجساد.
سُحبت الكتب، والأوراق، والأقلام، وكل المتعلقات،وانتزعت إنجازات الحركة الأسيرة من بين أيديهم.
لا إذاعة، ولا تلفاز، ولا زيارات،
وتضييق على لقاء المحامين.
يتعمد الاحتلال إبقاءهم على قيد الحياة فقط، وإن كان ذلك شحيحًا،
ويسلب منهم كل ما يُبقيهم على قيد الأمل.
وسلاح الأسرى الوحيد اليوم… ما علق في ذاكرتهم.
كان الأسرى يقتلون الوقت قبل نكبة “حالة الطوارئ”، واليوم… الوقت هو من يقتلهم.
والعلامة الفارقة اليوم هي ثمانية أسماء، بقيت خارج خريطة صفقات الحرية،
وخارج كل البلاد، والأمل، والحياة.
ثمانية أسرى يعتقل الاحتلال أرواحهم منذ عام 1986،
أي قبل توقيع اتفاقية أوسلو.
يُصنَّفون كأسرى قدامى،
وقد رفض الاحتلال الإفراج عنهم في جميع صفقات المقاومة.
ستة منهم من الأراضي المحتلة عام 1948، واثنان من محافظة أريحا.
أقدم أسيرين في العالم يلقّبه كل الأسرى الذين يعرفونه بـ”المكتبة التي تمشي”، وهي عبارة كفيلة بنقل جانبٍ مما يعيشه الأسير إبراهيم عبد الرزاق أحمد بيادسة (66 عامًا)، من باقة الغربية في الداخل المحتل.
كان يقاوم اعتقاله بالعلم ومتابعة شؤون وطنه، أما اليوم، فيعيش عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي.
ويُصنّف كأقدم أسير في سجون الاحتلال، بل في العالم أجمع،
ولا تزال ذاكرته تُبقيه على قيد الأمل.
وُلد الأسير إبراهيم بيادسة بتاريخ 7/3/1960، ويقضي حكمًا بالسجن مدته 45 عامًا.
وبحسب قوانين الاحتلال، من المقرر أن ينال حريته عام 2031،
أي أن عمرًا إضافيًا من حياته سيقضيه داخل السجون.
واليوم، كل ساعة تمر داخل الاعتقال تعادل سنة، بمقياس التعذيب، والتجويع، والتنكيل المتعمد.
خلال الفترة الأخيرة، عانى بيادسة كما عانى سائر الأسرى؛ فقد الكثير من وزنه، وأُصيب بمرض جلدي (السكابيوس)، ثم بفيروس في معدته.
ورغم غياب مقومات الحياة،
ما زال يشكّل “مكتبة” للأسرى،
يمنحهم من ذاكرته ما يخفف عنهم وطأة الوقت والعذاب، ويحاول بكل ما أوتي من قوة أن يكون مصدر أملٍ واستمرار، في ظل حالة الطوارئ التي تحرمهم حتى من لقاء ذويهم منذ حرب السابع من أكتوبر.
يُعدّ بيادسة آخر من تبقى معتقلًا من أفراد خليته،فهو رفيق درب الأسير الشهيد وليد دقة،ورفيق المحررين إبراهيم ورشدي أبو مخ.
اتهمه الاحتلال بتنفيذ أعمال مقاومة في الداخل،والانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،
واعتقله بتاريخ 26/3/1986.
أمضى سبع سنوات في العزل الانفرادي، حفظ خلالها القرآن الكريم كاملًا، وأتقن اللغتين العبرية والإنجليزية، والتحق بالجامعة العبرية، حيث درس العلوم السياسية.
ينتظر بيادسة نحو خمس سنوات لينال حريته، بعد أكثر من أربعة عقود سُلبت من عمره،حاول خلالها أن يبقى شامخًا، كريمًا، حتى آخر رمق…بانتظار عبير الحرية.
يُصنَّف الأسير أحمد علي حسين أبو جابر (66 عامًا) من كفر قاسم في الداخل المحتل، كثاني أقدم أسير في سجون الاحتلال.
اعتُقل بتاريخ 8/7/1986، ويقضي حكمًا بالسجن لمدة 52 عامًا.
خلال فترة اعتقاله، عايش سلسلة من الانتهاكات، أبرزها وفاة والدته عام 2021 بعد أن انتظرت حريته 35 عامًا، كما أُجريت له عملية قسطرة في العام ذاته.
الأسير أبو جابر متزوج وأب لثلاثة أبناء، وقد تمكّن من إكمال دراساته العليا داخل الأسر. أمضى أربعة عقود في السجون، ولا يزال بانتظار قضاء عقدٍ آخر ونيّف بين القمع والتنكيل والتجويع.
مؤبدا أريحا
في محافظة أريحا، يبرز أسيران من أصحاب الأحكام المؤبدة، ضمن 118 أسيرًا مؤبدًا يرفض الاحتلال الإفراج عنهم، بل ويهدد بتنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
من بين هؤلاء، أسيران معتقلان منذ أكثر من ثلاثة عقود:
الأسير محمود سالم أبو خربيش (60 عامًا)، من مواليد 2/6/1965،
والأسير جمعة إبراهيم آدم (57 عامًا)، من مواليد 9/3/1968.
اعتُقلا بتاريخ 31/10/1988، وصدر بحقهما حكمٌ بالسجن المؤبد.
يُعدّ الأسيران أبو خربيش وآدم من أقدم أسرى المؤبدات، وقد اعتُقلا قبل توقيع اتفاقية أوسلو، ولم ينل أيٌّ منهما حريته في أي من صفقات المقاومة.
وُجّهت إليهما تهمة تنفيذ عملية “الباص”، حيث قاما بإحراق حافلة تقل جنودًا، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد منهم. وعلى إثر ذلك، خضعا لتحقيق قاسٍ استمر 70 يومًا، تعرضا خلاله لتعذيب شديد بهدف تصفيتهما، قبل أن يصدر بحقهما الحكم المؤبد.
يعاني الأسير محمود أبو خربيش من عدة أمراض، منها مشاكل في القلب وعدم انتظام دقاته، إضافة إلى أمراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والدهون، ومشاكل في العمود الفقري، والقولون، والنظر.
وفي عمره الستيني، لم يعد يحتمل ما يتعرض له الأسرى من تنكيل وتجويع، وقد انخفض وزنه إلى 40 كغم بعد أن كان 88 كغم.
وهو متزوج، وله ابنة وحيدة تُدعى “أسماء”، كانت بعمر أربعة أشهر عند اعتقاله، واليوم تبلغ 38 عامًا، تزوجت وأنجبت أطفالًا لا يعرفهم إلا عبر الصور.
خلال أسره، فقد والده وشقيقه، وعاصر إنجازات الحركة الأسيرة، وشارك في معارك الأمعاء الخاوية. كما أنهى الثانوية العامة، ثم واصل تعليمه داخل السجن، فحصل على درجة البكالوريوس ثم الماجستير.
ولا يزال طيف الحرية حاضرًا في مخيلته، بانتظار أن يلتقي بابنته وعائلته التي لم تملّ الانتظار.
أما الأسير جمعة آدم، فقد اعتُقل وهو في التاسعة عشرة من عمره، وتعرض لتعذيب قاسٍ خلال التحقيق، وصدر بحقه الحكم ذاته.
يعاني من عدة أمراض، ولم يكن هذا اعتقاله الأول؛ إذ اعتُقل عام 1986 وقضى سبعة أشهر، ثم أُفرج عنه، قبل أن يُعاد اعتقاله بعد ثلاثة أشهر فقط، ولا يزال منذ ذلك الحين رهن الاعتقال المؤبد.
تمكّن خلال أسره من إنهاء الثانوية العامة، والحصول على درجة البكالوريوس، وكان يواصل دراسته لنيل الماجستير.
حُرم من زيارة شقيقه مرات عدة قبل الحرب، وتعيش عائلته اليوم في المهجر، ومع استمرار حالة الطوارئ داخل السجون تنقطع أخباره.
كما توفيت والدته خلال فترة اعتقاله، ولم تُتح له فرصة وداعها.
خلية جلعاد
أربعة أسرى يقضون أحكامًا مؤبدة منذ اعتقالهم قبل اتفاقية أوسلو، جميعهم من الأراضي المحتلة، وقد اعتُقلوا عام 1992 ضمن خلية واحدة.
اتهمهم الاحتلال بتنفيذ عملية “معسكر جلعاد”، التي أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين، وصدر بحقهم حكمٌ بالسجن المؤبد المكرر ثلاث مرات، إضافة إلى 16 عامًا.
أقدمهم الأسير محمد سعيد إغبارية (57 عامًا)، من مواليد 31/1/1968،
وشقيقه إبراهيم حسن سعيد إغبارية (60 عامًا)، من مواليد 19/2/1965 من وادي عارة، وقد اعتُقلا في التاريخ ذاته: 26/2/1992.
تلاهما الأسير يحيى مصطفى إغبارية (57 عامًا)، من وادي عارة، من مواليد 14/4/1968، واعتُقل بتاريخ 4/3/1992،
ثم الأسير محمد توفيق جبارين (73 عامًا)، من أم الفحم، من مواليد 1/1/1952، والذي كان آخر أفراد الخلية اعتقالًا بتاريخ 1/4/1992.
كان الشقيقان محمد وإبراهيم إغبارية قد شكّلا نواة خلية جلعاد، بدافع استرداد كرامة وطنهما، ثم انضم إليهما محمد ويحيى لاحقًا.
نفّذ الأربعة عملية ضد معسكر جلعاد القريب من وادي عارة، واشتبكوا مع الجنود، ما أسفر عن مقتل ثلاثة منهم وإصابة خمسة آخرين، قبل أن ينسحبوا من المكان.

زر الذهاب إلى الأعلى