تقارير وحوارات

يوم الطفل الفلسطيني: 350 طفلًا يعتقل الاحتلال أرواحهم وأحلامهم قبل الأجساد

منذ السابع من أكتوبر، وبالتوازي مع حرب الإبادة ضد الطفولة في غزة، تتواصل حرب من نوعٍ آخر تستهدف الأعمار الطفولية في كامل الأراضي الفلسطينية. فقد نفّذ الاحتلال أكثر من (1700) حالة اعتقال بحق أطفال، أُفرج عن بعضهم لاحقًا، فيما لا يزال آخرون رهن الاعتقال. واليوم، هناك (350) طفلًا داخل سجون الاحتلال، موزّعين على أقسام الأشبال في سجني عوفر ومجدو.

وفوق ذلك، اعتقل الاحتلال عشرات الأطفال من قطاع غزة خلال حرب الإبادة، في مشهد يناقض كل مبادئ حقوق الإنسان وقوانين الحرب. وقد رافقت هذه الاعتقالات انتهاكات جسدية وإجراءات تنكيلية طالت الأرواح قبل الأجساد، من أبرزها الإخفاء القسري، وإخفاء أماكن الاحتجاز، ومنع زيارات المحامين، وقطع سبل التواصل معهم، ما وضع مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان أمام تحديات كبيرة في حصر أعدادهم الحقيقية.

تنص اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 على حظر الاعتقال التعسفي للأطفال، واعتبار احتجازهم إجراءً أخيرًا ولأقصر مدة ممكنة، مع ضمان المعاملة الإنسانية وصون الكرامة. إلا أن الاحتلال ينتهك هذه الاتفاقية بشكل واضح، لا سيما المادة (37) التي تحظر تعذيب الأطفال أو معاملتهم معاملة لا إنسانية، وتكفل حقهم في التواصل مع ذويهم والحصول على متابعة قانونية. كما يخرق مبادئ القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف التي تمنح الأطفال حماية خاصة باعتبارهم فئة مدنية.

اعتداءٌ أولي

لا تخفى طبيعة المرحلة التي تعيشها الحركة الأسيرة اليوم داخل سجون الاحتلال؛ فالانتهاكات أصبحت عنوانًا دائمًا تمارسه إدارة السجون بحق الجميع، دون تمييز بين طفل وكهل، أو مريض وسليم. الكل يرزح تحت وطأة التعذيب والتنكيل الممنهج، في ظل القمع والتجويع وانتشار الأمراض والإهمال الطبي.

وتلاحظ العائلات الفلسطينية تغيّرًا جذريًا في أساليب الاعتقال منذ السابع من أكتوبر. فبعد أن كانت قاسية أصلًا، أصبحت اليوم أكثر عنفًا، حيث لم يعد الاحتلال يمنح العائلات فرصة لفتح أبواب منازلها، إذ يتم تفجير الأبواب خلال المداهمات الليلية، ثم عزل الطفل المستهدف واعتقاله دون السماح له بارتداء ما يقيه البرد أو أخذ أدويته، أو حتى توديع ذويه، ليبدأ مسار اعتقال مفتوح بلا سقف.

تحقيقٌ غير قانوني

بعد الاعتقال، تبدأ مرحلة لا تقل قسوة، حيث يُكبَّل الأطفال وتُعصب أعينهم، ويتعرض بعضهم للتصوير وهم معصوبو الأعين بجانب جنود الاحتلال في مشاهد استعراضية مهينة. وخلال النقل في الآليات العسكرية، يتعرضون للضرب المبرح، في مشهد لا يحتمله حتى الكبار، فكيف بأجساد الأطفال.

أما التحقيق، فيجري في ظروف غير قانونية، تستهدف إذلال الطفل وإخضاعه، دون مراعاة سنّه. ويُحتجز الأطفال في مراكز تحقيق معزولة، لا يميزون فيها بين الليل والنهار، ويتم التحقيق معهم دون حضور محامين، في انتهاك واضح لأبسط الضمانات القانونية.

الإداري والطفولة

حتى نهاية عام 2025، بلغ عدد الأطفال المعتقلين إداريًا نحو (180) طفلًا، يخضعون لملفات سرية دون تهم واضحة. وهنا لا يواجه الطفل فقط الاعتقال والتحقيق، بل أوامر احتجاز متجددة قد تمتد لسنوات، ما يحوّل طفولته إلى ذاكرة مثقلة بالألم.

وتعتبر كافة المواثيق الدولية الاعتقال الإداري، خاصة بحق القاصرين، انتهاكًا صارخًا للأعراف الإنسانية، إلا أن الاحتلال يستمر في تجاهلها.

واقع اعتقالي قاسٍ

يعاني الأطفال داخل السجون من ظروف اعتقالية بالغة السوء، تشمل: غرفًا تفتقر للتهوية، نقصًا في الملابس والأغطية، اكتظاظًا شديدًا، تقييد الحركة، مصادرة المقتنيات، حرمانًا من زيارات العائلات منذ أكثر من عامين ونصف، عراقيل أمام زيارات المحامين، إضافة إلى الإهمال الطبي وانتشار الأمراض الجلدية مثل “السكابيوس”، ونقص الغذاء ضمن سياسة تجويع ممنهجة أضعفت مناعتهم وصحتهم.

شهادات طفولة معذبة

تعرض مؤسسات الأسرى شهادات صادمة عن الانتهاكات، منها قضية الطفل وليد خالد أحمد، الذي استشهد في آذار 2025 داخل سجن مجدو نتيجة التعذيب وسوء المعاملة والتجويع، حيث أظهر تقرير التشريح تدهورًا جسديًا حادًا شمل الهزال الشديد وانعدام الكتلة العضلية ومؤشرات واضحة على سوء التغذية والجفاف.

كما يروي الطفل (ق.ن)، المعتقل بتاريخ 7/1/2026، تعرضه للضرب والتقييد وتعصيب العينين، ونقله بين مراكز التحقيق والسجون مع تكرار الاعتداء عليه، مؤكدًا أن ظروف الاعتقال تتسم بالبرد الشديد، والاكتظاظ، ونقص الملابس والغذاء.

أما الطفل (م.ص)، المعتقل منذ 19/2/2025، فقد حُوّل للاعتقال الإداري وهو في سن 15 عامًا، وتعرض لتحقيق دام 21 يومًا، ويعاني من نقص الرعاية الصحية رغم آلام الأسنان التي لم تُعالج.

ويروي الطفل (أ.خ)، 17 عامًا، تعرضه للضرب والإذلال والتقييد المستمر حتى أثناء الطعام، فيما يؤكد الطفل (ف.ش)، 16 عامًا، أنه قضى 40 يومًا مقيدًا في ظروف قاسية، مع نقص شديد في الغذاء ورداءة ظروف النوم.

ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال ينتهك كافة مواثيق حقوق الإنسان من خلال احتجاز 350 طفلًا، والتحقيق معهم دون حضور محامين، وممارسة التعذيب بحقهم منذ لحظة الاعتقال وحتى داخل المعتقلات، إضافة إلى حرمان المرضى منهم من العلاج، في انتهاك صارخ لكل المعايير الإنسانية والقانونية

زر الذهاب إلى الأعلى