عائلة طحاينة.. من انتظار حرية الأب إلى انتظار الإفراج عن الأم؛ ستة أبناء يواجهون غياب والديهم

ليست قلوب العائلات الفلسطينية من حديد كي تحتمل كل هذا الألم والصبر، وليست الحياة سهلة في وطنٍ تحاصره المآسي من كل اتجاه. قد يُحتمل غياب الأب أسيرًا خلف سجون الاحتلال، وقد تتعلم العائلات الصبر على انتظار حريته، لكن اعتقال الأم يصيب الأسرة في مقتل، ويترك فراغًا لا تملؤه الكلمات ولا يخففه الزمن.
في عائلة طحاينة، من مدينة جنين، تعاقبت سنوات الغياب على أفراد الأسرة. عاشوا بين الانتظار والخوف، وكانت قلوبهم معلقة بموعد الحرية، حتى جاء اعتقال الأم ليبدد ما تبقى من أمل بعودة الحياة إلى طبيعتها، ويترك الأبناء الستة أمام بيتٍ غاب عنه الأب والأم معًا.
قضى المحرر شريف طاهر طحاينة (56 عامًا) خمسة عشر عامًا في سجون الاحتلال، توزعت على عشرة اعتقالات. وخلال سنوات اعتقاله، حملت زوجته هناء محيي الدين طحاينة (49 عامًا) مسؤولية الأسرة كاملة، فكانت للأبناء أمًا وأبًا في آن واحد، بينما حُرم شريف من حضور ولادة معظم أبنائه، وعاشت هناء سنوات طويلة من الانتظار، على أمل أن تجتمع العائلة أخيرًا تحت سقف واحد، إلا أن الاحتلال كان له قرار آخر.
وبعد عامين من اعتقال شريف في اعتقاله الأخير، وقبل أسبوع واحد فقط من موعد الإفراج عنه، اعتقلت قوات الاحتلال زوجته هناء بتاريخ 8/6/2026. أسبوع واحد عاشه الأبناء الستة بلا أب ولا أم، لكنه بدا بالنسبة إليهم دهرًا كاملًا، ثم خرج الأب إلى الحرية ليجد أن الغياب ما زال يسكن البيت، وأن فرحة العائلة بقيت منقوصة باعتقال الأم.
تمثل عائلة طحاينة نموذجًا لمعاناة تتكرر في عشرات البيوت الفلسطينية. فمع اختلاف المدن والقرى، تتشابه الحكايات التي يكتبها الاحتلال بحق العائلات الفلسطينية.
في الساعة الثالثة فجرًا، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة واعتقلت هناء، ومنعتها من توديع أبنائها. حاول الأبناء إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، إلا أن إحدى المجندات وجهت سلاحها نحوهم ومنعتهم من الاقتراب. كما عُصبت عينا هناء، وأُحكمت القيود على يديها بصورة مؤلمة، وحين طلبت تخفيفها قوبل طلبها بالرفض، قبل أن تُقتاد سيرًا على الأقدام، معصوبة العينين، إلى منطقة بعيدة عن المنزل.
نُقلت هناء إلى سجن الشارون، حيث تعرضت لاعتداء من مجندتين ركزتا ضربهما على رأسها، ثم جرى نقلها إلى سجن الدامون، وحُولت إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.
وتعاني الأسيرة هناء طحاينة من عدة مشكلات صحية، أبرزها الشقيقة، والروماتيزم، ودوالي في القدم اليسرى، والقولون العصبي، إضافة إلى ارتفاع نسبة الدهون في الدم، وآلام شديدة في القدم اليمنى، فضلًا عن معاناتها من حساسية وطفح جلدي. ورغم حاجتها إلى العلاج، فإنها لا تتلقى الرعاية الطبية اللازمة، وتشير العائلة إلى أن تعامل الطاقم الطبي معها اتسم بالإهمال والعنصرية، رغم وجود تقارير طبية لدى الاحتلال تؤكد حاجتها الماسة للعلاج.
وتحظى قضية هناء باهتمام خاص بعد ظهورها في مقطع فيديو نشر عقب اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لسجن الدامون، حيث سألها عن مدينتها، فأجابته بأنها من جنين، ليطلب منها نقل رسالة إلى أهالي المدينة مفادها أن السجون لم تعد “فنادق”، وأن أوضاع الأسرى ستزداد سوءًا. وقد ضاعف هذا المشهد من قلق العائلة على مصيرها، خاصة في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات.
وتحمل قضية هناء أبعادًا إنسانية إضافية، فهي أم لأطفال ما زال بعضهم على مقاعد الدراسة، بينهم طفلان يبلغان 13 و10 أعوام، وابنة تستعد لمرحلة الثانوية العامة، وهي في أمسّ الحاجة إلى وجود والدتها ودعمها. ويزداد قلق الأسرة مع استمرار حرمانها من العلاج، رغم حالتها الصحية الصعبة.
عاشت عائلة طحاينة غيابين متتاليين؛ غياب الأب لسنوات طويلة، ثم غياب الأم بعد أيام من اقتراب لمّ الشمل. ويؤكد أفراد العائلة أن تلك الأيام كانت من أصعب ما مرّ عليهم، فمهما كبر الأبناء يبقى الأب والأم مصدر الأمان والدفء في حياتهم. اثنان من الأبناء كانا في الخامسة من عمرهما حين نال والدهما حريته في إحدى اعتقالاته السابقة، بعدما حُرم من مشاركتهما طفولتهما، ورغم سنوات الفقد الطويلة، لم تعتد الأسرة الغياب يومًا.
واليوم، يقف شريف طحاينة للمرة الأولى في موقع المنتظر، ينتظر حرية زوجته كما انتظرته هي سنوات طويلة، فيما يواصل الأبناء انتظار اليوم الذي يجتمع فيه شمل العائلة بعيدًا عن أبواب السجون.




