علا قطيشات.. حين يتحول مقعد مدرسي إلى رسالة انتظار لأسيرة طفلة

في الوقت الذي كانت فيه شقيقتها آسيا تحتفل بنجاحها في الثانوية العامة، كانت علا قطيشات تقبع خلف القضبان، بعيدة عن مدرستها وكتبها ومقعدها. لكن العائلة قررت أن تتعامل مع غيابها كغياب مؤقت، فاحتفظت بكتبها ومريولها، وترك زميلاتها مقعدها فارغاً، فيما وجهت آسيا إلى شقيقتها الأسيرة رسالة تختصر انتظار الأسرة: «نجحت من أجلك.. ومقعدك سيبقى بانتظارك حتى تعودي حرة إلينا».
لم تكن علا عبد الناصر قطيشات بحاجة إلى أكثر من مقعد دراسي وكتاب وقلم لتبدأ رسم ملامح مستقبلها. كانت في السادسة عشرة من عمرها، تدرس في الصف الحادي عشر بالفرع التجاري في بلدة طمون بمحافظة طوباس، وتستعد لامتحاناتها، بينما كانت تخطط لإكمال تعليمها والالتحاق بالجامعة ودراسة الصحافة.
لكن ذلك المستقبل توقف في ليلة واحدة.
في الرابع والعشرين من أيار/مايو 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلة علا بعد منتصف الليل، بينما كانت تستعد مع شقيقتها لامتحان اللغة الإنجليزية. نحو الساعة الواحدة والنصف فجراً، استفاقت الأسرة على أصوات الجنود داخل المنزل، قبل أن تُعزل عن بعضها، وتُقتاد علا مقيدة اليدين ومعصوبة العينين.
كانت علا، في تلك اللحظات، تستعد في الأصل لصباح دراسي عادي، لا لرحلة إلى السجن. وكان يفترض أن تحمل كتبها وتتوجه إلى مدرستها، لكن قوات الاحتلال اقتادتها بعيداً عن منزلها، تاركة خلفها حقيبتها وكتبها ومقعدها وامتحاناً لم تستطع تقديمه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المدرسة بالنسبة إلى علا مكاناً غائباً تنتظر العودة إليه.
تقول عائلتها إن علا تقبع في سجن الدامون برفقة الأسيرة الطفلة ندى إياد بني عودة، وإن الطفلتين تعزلان عن بقية الأسيرات في غرفة واحدة، فيما تقدمت العائلة بطلب لنقلهما إلى غرفة تضم أسيرات أخريات، في ظل القلق على الحالة النفسية لعلا وحرمانها من الزيارة والتواصل المباشر مع أسرتها.
لكن ما يلفت في قصة علا ليس فقط ما حُرمت منه، بل الطريقة التي اختارت بها عائلتها وزميلاتها مواجهة هذا الحرمان: بالحفاظ على مكانها في المدرسة وكأنها ستعود إليه في أي وقت.
طلبت علا من زميلاتها أن يتركن مقعدها فارغاً، وأن يكتبن عليه: «الأسيرة علا». ومنذ ذلك الحين، لم يعد المقعد مجرد قطعة أثاث داخل الصف، بل أصبح علامة على غياب طالبة لم تختر أن تترك مدرستها، ورسالة تقول إن مكانها لا يزال محفوظاً، وإن غيابها ليس نهاية مسيرتها التعليمية.
وفي المنزل، احتفظت الأسرة بكتب علا ومريولها وأوراقها، في انتظار اليوم الذي تعود فيه إليها. أما شقيقتها آسيا، فحملت الجزء الأكبر من هذه الحكاية معها وهي تخوض امتحانات الثانوية العامة.
كانت آسيا تجلس أمام أوراق امتحاناتها، بينما صورة علا لا تفارق ذاكرتها. تتذكر لحظة اقتيادها من المنزل، وتقول إن مشهد تكبيل يدي شقيقتها أمام عينيها ظل يرافقها طوال فترة الامتحانات.
ورغم ذلك، واصلت آسيا طريقها، حتى أعلنت نتائج الثانوية العامة، وحصلت على معدل 93.6% في الفرع الأدبي.
كان يفترض أن تكون علا إلى جانبها في تلك اللحظة؛ أن تفرح بنجاح شقيقتها، وربما أن تساعدها في الاحتفال كما كانت تخطط قبل اعتقالها. لكن آسيا وجدت نفسها تحتفل وهي تفتقدها، فاختارت أن تجعل نجاحها رسالة تصل إليها خلف القضبان.
كتبت لها: «نجحت من أجلك».
وقالت إنها ما زالت تحتفظ بمريول علا وكتبها وأوراقها، وإنها بدأت تجهيز أغراض الثانوية العامة لها، لأنها مؤمنة بأنها ستخرج وتعود إلى دراستها. لم تتعامل آسيا مع أختها على أنها طالبة انتهت علاقتها بالمدرسة بسبب الاعتقال، بل كطالبة تأخرت عن دراستها وستعود إليها.
وتحمل رسالة آسيا معنى أبعد من التهنئة بالنجاح؛ فهي رسالة تؤكد لشقيقتها أن حياتها الدراسية لم تنتهِ، وأن الحلم الذي بدأته قبل الاعتقال ما زال قائماً.
تريد آسيا أن تعود علا إلى مقعدها، وأن تكمل تعليمها، وأن تحقق حلمها في دراسة الصحافة، وأن تصبح الصحفية التي كانت تتمنى أن تكونها؛ الصحفية التي تدافع عن المظلومين وتترك بصمتها في مجتمعها.
أما العائلة، فتتمسك بالأمل ذاته. تقول شقيقة علا إنها جهزت لها كتبها، وهي على يقين بأنها ستخرج وتعود إلى مقعدها، مؤكدة أنها لن تسمح للسجن والسجان بأن يكسراها.
ومنذ اعتقالها، عُقدت لعلا ثلاث جلسات محاكمة، فيما أُجلت آخر جلسة، وفق إفادة العائلة، إلى تاريخ 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وبينما تستمر الإجراءات القضائية، يستمر معها غياب علا عن مدرستها، في وقت تواصل فيه الأسرة انتظار عودتها.
بالنسبة إلى عائلة علا، لا يمثل الاحتفاظ بكتبها ومريولها مجرد حنين إلى طفلة غائبة، بل هو تمسك بفكرة أنها طالبة ستعود إلى الدراسة. وبالنسبة إلى زميلاتها، فإن ترك المقعد فارغاً يحمل الرسالة نفسها: مكان علا ليس شاغراً، بل محفوظ حتى تعود.
أما آسيا، التي أنهت الثانوية العامة بتفوق، فلم تكتفِ بأن تقول لشقيقتها إنها تشتاق إليها، بل أرادت أن تصلها رسالة عملية: لقد نجحت، وكتبك جاهزة، ومقعدك ما زال موجوداً، وحلمك لم يتغير.
«فخورة بكِ، لأنك حصلتِ على شهادة الصبر والقوة قبل كل الطلاب»، تقول آسيا لشقيقتها، مؤكدة أن يوم العودة سيأتي، وأنها ستكون إلى جانبها في كل خطوة حتى تحقق حلمها.
في قصة علا قطيشات، لم يعد المقعد المدرسي مجرد مكان لطالبة غائبة؛ أصبح رمزاً لانتظار العودة. الكتب لم تُغلق إلى الأبد، والمريول لم يُحفظ كذكرى، والنجاح لم يكن نهاية الطريق.
كل شيء في منزل علا ومدرستها يبدو وكأنه يقول شيئاً واحداً:
عودي يا علا.. مقعدك بانتظارك.




