حين يتحول الموت إلى عقوبة.. 1700 جثمان فلسطيني في قبضة الاحتلال : جريمة لا تنتهي بالرصاصة الأخيرة

هناك جريمة لا تُكتب في تقارير الطب الشرعي، ولا تُحصى في عداد الشهداء اليومي. جريمة تبدأ حين تتوقف القلوب عن النبض، ولا تنتهي عندها. فبينما يُفترض أن يكون الموت خط النهاية لأي عقاب، يصرّ الاحتلال الإسرائيلي على أن يجعل من جسد الفلسطيني، حتى بعد مفارقته الحياة، ساحة جديدة للسيطرة والانتقام.
كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية مؤخرًا عن اعتراف رسمي لسلطات الاحتلال باحتجاز جثامين نحو 1700 شهيد فلسطيني، موزّعة بين قبور مجهولة تُعرف بـ”مقابر الأرقام”، وثلاجات موتى باردة تحمل أرقامًا بدل الأسماء. ووفق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، فإن هذا الرقم ليس سوى محطة جديدة في مسار طويل من التصريحات المتضاربة التي أطلقتها سلطات الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، وكان أحدها قد تحدث سابقًا عن نحو 1500 جثمان محتجز.
عائلات في “حداد معلّق”
لكل رقم من هذه الأرقام قصة لا تنتهي عند خانة الإحصاء.، فتعيش عائلات الشهداء حالة”الحداد المعلّق”؛ حالة لا تسمح للأم أو الأب أو الزوجة بمعرفة مصير جثمان ابنهم، ولا توديعه، ولا دفنه بكرامة. إنه حرمان من واحد من أبسط الحقوق الإنسانية التي لا تُنازع فيها الشعوب: أن تُكمل طقوس فقدها، وأن تبكي جسدًا تراه قبل أن يُوارى الثرى.
وفي غير حالة، حين تُسلَّم الجثامين أخيرًا، تصل مجمّدة أو حاملة آثار إصابات وتشويه، فتتضاعف صدمة العائلة التي انتظرت طويلًا، لتُحرم حتى من فرصة توديع من أحبّت بصورة تحفظ كرامته الأخيرة. ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد؛ إذ تُفرض أحيانًا شروط قاسية لاسترداد الجثامين ودفنها: كفالات مالية، دفن ليلي بعيد عن الأعين، تقييد صارم لعدد المشيّعين، وحضور أمني مكثف يحوّل حتى لحظة الوداع الأخيرة إلى مشهد خاضع للسيطرة.
من ممارسة عابرة إلى منظومة قانونية متكاملة
ما يكشفه مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، المتابع القانوني لهذا الملف، أن احتجاز الجثامين لم يعد فعلًا عسكريًا عشوائيًا، بل تحوّل على مدى عقود إلى سياسة راسخة في صلب المنظومة القانونية والقضائية والتشريعية الإسرائيلية:
• 1967: دُفن آلاف الفلسطينيين في “مقابر الأرقام” السرية، دون أسماء ودون سجلات تُعرف بها هوياتهم.
• 2004: صدر توجيه قيّد هذه الممارسة مؤقتًا.
• 2015: عادت الممارسة بقوة، استنادًا إلى أنظمة الطوارئ البريطانية الصادرة عام 1945.
• 2017: قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم وجود أي أساس قانوني لاحتجاز الجثامين — لكنها أرجأت تنفيذ قرارها، ومنحت الحكومة مهلة لسنّ تشريع يُشرعن الممارسة نفسها التي وصفتها بأنها بلا سند قانوني.
• 2018: استغل الكنيست هذه المهلة، وعدّل ما يسمى “قانون مكافحة الإرهاب”، مانحًا الشرطة صلاحية رسمية لاحتجاز الجثامين.
• 2019: تراجعت المحكمة عن موقفها السابق، وأجازت احتجاز الجثامين لغرض معلن هو “المساومة”.
• 2020: تم توسيع نطاق السياسة لتشمل جميع الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات.
بهذا المسار، تحوّلت ممارسة كان يُفترض أن تكون استثناءً عسكريًا مؤقتًا، إلى سياسة دولة كاملة الأركان، تُغذّيها الأوامر العسكرية والتشريعات وأحكام القضاء، في مؤشر صريح على أن جثمان الشهيد بات، في نظر منظومة الاحتلال، أداة عقاب ومساومة لا تسقط بالتقادم ولا تنتهي بانتهاء الحياة.
أرقام لا يمكن اختزالها
توثّق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء احتجاز جثامين نحو ٧٩٩ شهيد في مقابر الأرقام وثلاجات الاحتلال،منهم 256 شهيدًا في مقابر الأرقام.
• 99 شهيدًا من صفوف الحركة الأسيرة.
• ٨١ طفلًا لم يتجاوزوا الثامنة عشرة من عمرهم.
• 10 شهيدات.
أما في قطاع غزة، فقد وثّقت الحملة تسليم جثامين 930 شهيدًا حتى تاريخ 4 شباط/فبراير 2026، بعضها سُلّم قبل إتمام أي صفقة تبادل، وتضمّن جثامين سُرقت من مقابرها الأصلية ومن مستشفى الشفاء. كما سلّمت سلطات الاحتلال إلى جانب ذلك 66 صندوقًا تحوي أشلاء بشرية فقط — تفصيل يختصر بقسوة حجم الدمار الذي طال حتى الموتى.
وآخر صفقات تبادل الجثامين جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن الرقم المعلن حديثًا عن 1700 جثمان يعكس ارتفاعًا جديدًا يشمل مختلف الجغرافيات الفلسطينية،ك
انتهاك يتجاوز حدود القانون
يشدد مكتب إعلام الأسرى والحملة على أن احتجاز جثامين الشهداء يمثل انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية، ويصطدم بمنظومة كاملة من الالتزامات في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، من بينها احترام الموتى، ومعاملة الجثامين بكرامة، وصون الحياة الأسرية والمعتقدات والممارسات الدينية للعائلات المكلومة.
ومع استمرار وجود آلاف المفقودين في قطاع غزة، واستمرار جريمة الإخفاء القسري، تبقى الأرقام المتداولة، مهما بلغت دقتها، تقديرية فحسب — ما يجعل الكشف عن الأعداد الحقيقية ومصير الضحايا مهمة إنسانية وقانونية عاجلة لا تحتمل التأجيل.
ليست أرقامًا… بل حكايات فقد لم تكتمل
جوهر القضية بجملة واحدة موجعة: إن الـ1700 جثمان المحتجزة ليست مجرد رقم إحصائي، بل 1700 قصة فقد، و1700 جريمة تصفية، و1700 عائلة حُرمت من أبسط حقوقها: أن تودّع من أحبّته، وأن تدفنه، وأن تحزن عليه علنًا دون قيد أو شرط.
وفي السابع والعشرين من آب/أغسطس من كل عام، يأتي اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء ليعيد التذكير بهذا الملف المفتوح، وبعائلات لا تزال تنتظر قبرًا أو خبرًا أو جثمانًا يحمل اسم ابنها.
فمنظومة الاحتلال،لا تتعامل مع الموت باعتباره نهاية للجريمة، بل توظّفه أداة لاستمرارها. ولذلك، فإن المطلوب اليوم لا يقف عند حدود توثيق الأعداد، إنما يمتد إلى إنهاء هذه السياسة، ومحاسبة المسؤولين عنها، والكشف عن مصير جميع المفقودين، والإفراج عن جثامين الشهداء وتسليمها لعائلاتها — لتُغلق دائرة الحداد المعلّق




