بين اتصاله الأخير وصاروخ الاحتلال.. 30 دقيقة أبادت عائلة الأسير المحرر مصعب مدوخ

“المكان جاهز يا أمي.. غداً صباحاً ننتقل إليه إن شاء الله” .. كانت هذه الكلمات الدافئة هي آخر ما نطق به الشاب الفلسطيني مصعب بشير مدوخ في اتصاله الهاتفي مع والدته المريضة بالسرطان، لم يكن يعلم أن الصباح لن يأتي عليهما معاً، وأن “المكان البديل” الذي بحث عنه ليحمي عائلته من الموت في حي الصبرة بمدينة غزة، سيبقى فارغاً إلى الأبد، فبعد ثلاثين دقيقة فقط من إنهاء المكالمة، أحالت صواريخ الطائرات الإسرائيلية منزل عائلته إلى كومة من الركام والأشلاء.
رحلة مصعب مدوخ (40 عاماً) تختزل فصول المأساة الفلسطينية المركبة؛ من الفقد الجماعي، إلى الاعتقال والتنكيل داخل السجون الإسرائيلية، وصولاً إلى العودة المريرة للعيش فوق أنقاض الذكريات.
الموت أسرع من النزوح
في ليلة 29 أغسطس/آب 2024، كان الخوف يلتهم جدران منزل عائلة مدوخ، وفي محاولة مستميتة لإنقاذ عائلته، خرج مصعب يبحث عن مأوى أكثر أماناً، خاصة وأن والدته كانت تعاني من مرض السرطان وفي حالة صحية بالغة الحرج.
أمن مصعب المكان، واتصل بوالدته يزف إليها البشرى، لكن الموت كان أسرع من آماله، نصف ساعة فقط كانت الفاصلة بين صواريخ طائرات الاحتلال وبين جسد الأم المريضة و18 فرداً آخرين من العائلة، أُبيدوا جميعاً في لحظة واحدة.
داخل المنزل المستهدف، كان يتواجد 19 شخصاً، أغلبهم من الأطفال والنساء وثلاثة شبان فقط، والبقية طفولة مُزقت تحت الأنقاض، وزوجة مصعب، وشقيقته التي كانت تعيش مخاض الولادة في تلك الليلة.
أشلاء على الجدران وأجنة مفقودة
يستذكر مصعب تلك اللحظات الفاجعة بنبرة يملؤها القهر: «وصلت طواقم الدفاع المدني وجيران المنطقة في عتمة الليل، حاولوا سماع أي صوت، أو التقاط أنفاس ناجٍ واحد.. لكن الدمار كان هائلاً والصمت كان مطلقاً».
في صباح اليوم التالي، تكشفت الفظاعة، وصَل مصعب إلى بيته ليجد أن “البيت” لم يعد موجوداً، بل تحول إلى ساحة من الأشلاء المتناثرة على الجدران والأسطح وفي محيط المنطقة، كانت عمليات الانتشال أشبه بمعجزة مستحيلة لشدة تدمير الأجساد.
ومن بين تفاصيل الفاجعة التي تدمي القلوب، قصة شقيقته الحامل التي كانت على وشك الولادة، في تلك الليلة، كان زوجها يحاول الاتصال بها مراراً لتنسيق نقلها إلى المستشفى بعد بدء علامات المخاض، لكن الصاروخ سبقه يقول مصعب: «عثرنا على جثمان شقيقتي بصعوبة بالغة بسبب تشوه جسدها.. أما جنينها الذي لم يرَ النور، فلم نعثر له على أثر حتى اليوم».
من فاجعة الفقد إلى مسالخ الاعتقال
لم تتوقف فصول المعاناة عند إبادة العائلة لجأ مصعب مثقلاً بجراحه الإنسانية إلى مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة كأي نازح يبحث عن أمان مفقود وفي مارس 2024، وخلال الاقتحام الدموي للمستشفى، اقتادته قوات الاحتلال معتقلاً ومختطفاً إلى سجونها.
هناك، تحول مصعب من شاهد على القصف إلى شاهد على مسالخ التعذيب ووفقاً لشهادات حقوقية وثقها “المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى” بعد تحرره أواخر عام 2025، عاش مصعب أهوالاً لا يستوعبها عقل؛ حيث كان شاهداً على إعدام اثنين من رفاقه الأسرى بدم بارد، واغتصاب أسير آخر أمام عيون المعتقلين، ناهيك عن سياسة التجويع الممنهج والضرب المبرح التي تركت آثارها على جسده ونفسه.
حياة على الأنقاض.. وانتظار لا ينتهي
أُفرج عن الأسير المحرر مصعب مدوخ، ليعود إلى غزة المحطمة لم يجد زوجة تستقبله، ولا أطفالاً يهرعون لعناقه، ولا أماً تدعو له بالسلامة.
اليوم، يتخذ مصعب من ركام منزله المدمر في حي الصبرة مستقراً له يجلس بجوار الحطام يومياً، يشاهد كيف تمكن بجهود شخصية وبدائية من استخراج جثامين بعض أفراد عائلته بعد عام كامل من الغياب تحت التراب، فيما لا يزال طفلان من أطفاله وزوجته محتجزين تحت الصخور الصماء، في ظل عجز الدفاع المدني ونقص المعدات في القطاع المحاصر.
يختتم مصعب حديثه المحفور بالألم والرضا بكلمات تختصر حكاية الصبر الفلسطيني: «أنا قاعد جنب البيت، كل يوم لما بطلع على المكان بتأثر بشكل كبير.. هذا شيء يؤثر على نفسيتي.. لكن، الحمد الله على كل حال.. الحمد الله على كل حال».




