تقارير وحوارات

محمد عرب.. صورة تختصر عامين ونصف من الأسر

تظهر الصورة الأخيرة للصحفي الفلسطيني محمد صابر عرب على شاشة المحكمة بملامح مختلفة بصورة لافتة عن صورته كصحفي ميداني كان يظهر من قلب الأحداث في قطاع غزة. يبدو وجهه نحيلًا وشاحبًا، وتغطيه لحية طويلة يغلب عليها الشيب، فيما تبدو عيناه مرهقتين وتظهر حولهما علامات التعب والإجهاد. كما يبدو رأسه حليقًا، ويرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا، فيما تعكس ملامحه حالة من الوهن الجسدي بعد أكثر من عامين من الاعتقال.

الصورة، التي التُقطت خلال ظهوره في جلسة محاكمته في 16 آب/أغسطس 2026، لا تأتي منفصلة عن سياق طويل من المعاناة. فمنذ اعتقاله في مجمع الشفاء الطبي في غزة، مرّ عرب بعدة أماكن احتجاز، بينها معسكر “سديه تيمان” وسجن النقب، وتحدث عبر محاميه عن ظروف قاسية، شملت التقييد والتنكيل والحرمان من العلاج والطعام والملابس والحقوق الأساسية. وفي أيار/مايو 2026 خاض إضرابًا مفتوحًا عن الطعام احتجاجًا على استمرار اعتقاله وتدهور وضعه الصحي.

البداية.. صحفي داخل مجمع الشفاء

كان محمد عرب يعمل صحفيًا متعاونًا مع التلفزيون العربي، وبرز خلال الحرب على قطاع غزة في نقل الأحداث من محافظتي غزة والشمال، وتغطية أوضاع المدنيين والمرضى والجرحى، ولا سيما خلال حصار واقتحام مجمع الشفاء الطبي.

وفي 18 آذار/مارس 2024، وأثناء تغطيته للاقتحام الإسرائيلي للمجمع، انقطع الاتصال به. وبعد أيام، أكدت عائلته أنه اعتُقل واقتيد إلى جهة مجهولة، إلى جانب عدد من الصحفيين الذين اعتُقلوا خلال اقتحام المستشفى.

وفي 21 آذار/مارس، أدانت شبكة التلفزيون العربي اعتقاله وطالبت بالإفراج الفوري عنه، وحمّلت قوات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامته الجسدية.

أكثر من مئة يوم في الإخفاء

ظل مصير عرب ومكان احتجازه غير معروفين لفترة طويلة، قبل أن تظهر في حزيران/يونيو 2024 معلومات تؤكد وجوده في معسكر “سديه تيمان”.

وفي 19 حزيران/يونيو، تمكن المحامي خالد محاجنة من زيارته، وكانت تلك الزيارة محطة أساسية في كشف ظروف اعتقاله. فقد نقل عرب للمحامي تفاصيل عن أوضاع المعتقلين في المعسكر، مشيرًا إلى إبقائهم مقيدين ومعصوبي الأعين، والنوم على الأرض، ومنعهم من الحديث وممارسة الشعائر الدينية، إلى جانب قلة الطعام وضيق الوقت المخصص للاستحمام واستخدام دورات المياه.

ولم تقتصر شهادة عرب على ظروفه الشخصية، إذ نقل للمحامي ما شاهده وسمعه بشأن الاعتداءات والتعذيب والانتهاكات التي تعرض لها معتقلون آخرون من قطاع غزة.

شهادات من داخل “سديه تيمان”

في تموز/يوليو 2024، ظهرت تفاصيل إضافية من شهادات عرب التي نقلها محاميه. وتحدث عن اعتداءات جسدية وجنسية وتعذيب تعرض له معتقلون فلسطينيون، وعن أوضاع صحية قاسية، وغياب الرعاية الطبية عن عدد من المرضى والجرحى.

كما وصف ظروف الاحتجاز في “عوفر” بعد نقله إليه، متحدثًا عن الاكتظاظ الشديد، والنوم على الأرض، وقلة الطعام، والاعتداءات التي تعرض لها المعتقلون.

وبذلك لم يعد عرب مجرد أسير مجهول المصير، بل أصبح شاهدًا على ما قال إنه شاهده خلال فترة احتجازه، وهو ما دفع أجهزة الاحتلال، وفق ما نقله محاميه، إلى التحقيق معه بشأن شهاداته عن التعذيب.

2025.. استمرار الاعتقال وظهور الهزال

في 14 أيار/مايو 2025، أفاد المحامي خالد محاجنة بأن عرب خضع لجلسة محاكمة إسرائيلية، في ظل توجيه الاحتلال له تهمة الانتماء إلى تنظيم غير معروف.

وبعد أيام، في 17 أيار/مايو، ظهر عرب في جلسة محاكمته مكبل اليدين، وقد بدا عليه الهزال والإرهاق. وكان يرتدي ملابس شتوية ثقيلة رغم حرارة الطقس.

لكن اللافت في حديثه خلال الجلسة لم يكن شكواه من ظروف الاعتقال، بل سؤاله عن أسرته، إذ سأل عن زوجته وأطفاله وما إذا كانوا بخير. كان قد أمضى حينها أكثر من عام في الأسر، في ظل فترات طويلة من انقطاع أخباره عن عائلته.

وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، رفضت المحكمة المركزية الإسرائيلية في بئر السبع طلب الإفراج عنه، ومددت اعتقاله إلى أجل غير مسمى، مستندة إلى تصنيفه ضمن ما يسمى “المقاتلين غير الشرعيين”.

كما استمرت المحكمة في الاعتماد على ما يسمى “الملف السري”، في حين أفاد محاميه بأن عرب كان يعاني آلامًا في الظهر والعين اليسرى منذ فترة احتجازه في “سديه تيمان”، دون حصوله على العلاج اللازم.

2026.. الإضراب ثم الضعف

في 6 أيار/مايو 2026، بدأ محمد عرب إضرابًا مفتوحًا عن الطعام احتجاجًا على استمرار اعتقاله وتدهور وضعه الصحي، بعد رفض المحاكم الإسرائيلية الإفراج عنه.

وبعد نحو شهر، في 4 حزيران/يونيو، زاره المحامي خالد محاجنة في سجن النقب. وقال إن عرب كان في حالة ضعف، وكان مقيد اليدين والقدمين خلال الزيارة، ونقل عنه شهادات جديدة حول ظروف أسرى قطاع غزة، من الاكتظاظ وقلة الطعام إلى الضرب والإهانات والتهديدات.

ورغم ذلك، أكد المحامي أن معنويات عرب بقيت مرتفعة.

وفي 5 حزيران/يونيو، كشف محاجنة عن واحدة من أكثر اللحظات قسوة خلال زيارته، عندما طلب منه عرب أن يصف له وجهه وملامحه، بعدما قال إنه لم يرَ وجهه في مرآة منذ أكثر من عامين.

ذلك الطلب اختصر جانبًا من حجم الحرمان الذي عاشه الصحفي خلال فترة اعتقاله؛ فحتى رؤية وجهه في المرآة أصبحت بالنسبة له شيئًا غائبًا منذ سنوات.

16 آب/أغسطس 2026.. الصورة الأخيرة

وفي 16 آب/أغسطس 2026، ظهر محمد عرب خلال جلسة محاكمته الأخيرة.

هذه المرة، لم تكن هناك حاجة إلى شهادة محامٍ أو رواية من داخل السجن لوصف التغير الذي طرأ عليه؛ صورته نفسها كانت كافية لإظهار جانب من آثار السنوات التي أمضاها خلف القضبان.

يظهر عرب بوجه نحيل وشاحب، ولحية طويلة يغلب عليها الشيب، وعينين تبدوان مرهقتين، مع ملامح واضحة للتعب والإجهاد. ويبدو جسده أكثر هزالًا مقارنة بصورته قبل الاعتقال، بينما يظهر مرتديًا قميصًا رماديًا بسيطًا خلال ظهوره عبر شاشة المحكمة.

وتأتي هذه الصورة بعد نحو عامين وخمسة أشهر من اعتقاله، وبعد إضراب عن الطعام وشهادات متكررة عن ظروف احتجازه وتدهور حالته الصحية والحرمان من احتياجات أساسية.

منذ اللحظة التي كان فيها محمد عرب يقف داخل مجمع الشفاء حاملاً أدواته الصحفية لينقل للعالم ما يحدث للمرضى والنازحين تحت الحصار، وحتى الصورة التي ظهر فيها اليوم بوجه شاحب ولحية طويلة وملامح مرهقة، قطعت قصته مسارًا طويلًا من الاعتقال والإخفاء والتنقل بين أماكن الاحتجاز والمحاكم.

اعتُقل عرب وهو يؤدي عمله الصحفي، ثم أمضى أكثر من عامين خلف القضبان، وخلال هذه الفترة لم تقتصر معاناته على فقدان الحرية، بل تحدث عبر محاميه عن ظروف احتجاز قاسية، وعن تدهور صحته، وعن حرمانه من العلاج والملابس وحقه في التواصل مع العالم الخارجي.

واليوم، تختصر صورته الأخيرة في المحكمة جانبًا من هذه الرحلة. فالرجل الذي كان يقف أمام الكاميرا ليروي وجع الآخرين، أصبح هو نفسه يقف أمام عدسة الكاميرا شاهدًا على ما تركه الاعتقال الطويل في جسده وملامحه، فيما لا يزال مصير قضيته معلقًا ويواصل الاحتلال احتجازه بعد أكثر من عامين على اعتقاله.

زر الذهاب إلى الأعلى