بلال أبو زيد.. من جحيم المؤبد إلى سيف الاعتقال الإداري

بعد أن أنهى الأسير بلال أحمد أبو زيد (31 عاماً) من بلدة قباطية قضاء جنين، عامه التاسع من حكمه الفعلي، وكان على وشك دخول عامه العاشر، جاءت صفقة طوفان الأحرار مطلع عام 2025 لتخرجه من جحيم المؤبد. عاد إلى بلدته ومنزله وإلى حضن والديه، وبدأ يؤسس لحياة مستقرة، فأصبح جزءاً من روتين عائلته الدافئ، ومن صباحات منزله، ومسجد حيه، ومن الحياة التي حُرم منها سنوات طويلة، وظن أنها لن تعود.
أسدلت عائلته الستار على أوجاع سنوات شبابه التي قضاها خلف القضبان. عاد يجلس إلى مائدة أسرته، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ولم يعد ظلاً في المنزل، ولا مجرد ذكرى، ولا غائباً حاضراً. وبعد عام وبضعة أشهر، بدأت جراح الغياب تلتئم، واستعادت العائلة شيئاً من حياتها الطبيعية، لكن الاحتلال لم يشأ لتلك الجراح أن تندمل بهذه السرعة.
في 19/7/2026، داهمت قوات الاحتلال منزل شقيق بلال، بحثاً عن موقع منزله، وبعد أن عثرت على منزل العائلة، الذي لا يفصله عنه سوى سور، وصلت إلى غايتها. اعتُقل بلال من جديد، وعادت كوابيس السجون والمحاكم لتخيم على قلب أمه وأبيه وعائلته مرة أخرى.
وفي حديثٍ لمكتب إعلام الأسرى، روت عائلة أبو زيد تفاصيل اعتقاله من منزله، حيث كان آمناً بين أفراد أسرته. فقد حاصرت قوات الاحتلال المنزل بهدوء، في محاولة لاقتحامه واختطاف ابن العائلة المحرر ثم المغادرة. سمعت الأسرة صوتاً عند الباب، لكن الطرق لم يكن مألوفاً. فبلال، الذي اعتاد أن يستيقظ لصلاة الفجر ويوقظ أفراد أسرته، لم يفعل ذلك في تلك الليلة. ظنت العائلة أنه خرج إلى المسجد، لكن طرق الباب كان مختلفاً. هرعت والدته لتتفقده، ولولا أنها تأخرت لحظات قليلة، لأصابها الجنود عند خلعهم الباب واقتحامهم المنزل بالقوة.
تتكرر مشاهد الاعتقال في المنازل الفلسطينية، ولا تختلف إلا في الأسماء. صراخ، وتنكيل، واعتداء على المعتقل. طلب الجنود من والدي بلال الابتعاد، وانتزعوه من سريره، وانهالوا عليه بالضرب، ولم يسمحوا لوالدته حتى بتوديعه. وكل ما تتذكره من تلك الليلة أنه خرج مرتدياً فردتي حذاء مختلفتين، وأنها لم تتمكن من وداعه، ولا تزال تلوم نفسها لأنها لم تقف بينه وبين الجنود لتحميه بكل ما أوتيت من قوة.
اليوم، تقف العائلة مجدداً على نوافذ الانتظار، تعيش التفاصيل ذاتها. فالقلق ينهش قلوبهم على بلال. وقد نقل إليهم أحد الأسرى المحررين أنه بخير، لكنه تعرض للضرب في ساحة السجن، ويعاني من آلام في كتفه. أما بقية أخباره، فلا تزال غائبة في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، ومنع زيارات الأهالي.
ويقبع الأسير بلال أبو زيد اليوم في سجن مجدو، حيث تعود إليه ذكريات اعتقاله الأول. ففي عام 2016 اعتقلته قوات الاحتلال، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، إضافة إلى 32 عاماً، كما هدمت منزل عائلته آنذاك. واليوم يعود إلى السجن مجدداً، لكن هذه المرة بموجب أمر اعتقال إداري لمدة ستة أشهر، قابل للتجديد.
وتفتح قضية بلال أبو زيد الباب أمام سياسة انتقامية ينتهجها الاحتلال بحق الأسرى المحررين، وتؤكد مجدداً عدم التزامه بتعهداته. فحتى نهاية شهر يوليو/تموز 2026، وثقت مؤسسات الأسرى أكثر من 80 حالة اعتقال في صفوف الأسرى المحررين الذين أفرج عنهم ضمن صفقات التبادل التي تمت بعد السابع من أكتوبر، وهي أرقام لا تشمل حالات الاحتجاز الميداني والتحقيقات والتنكيل التي يتعرض لها المحررون خلال الاقتحامات المتكررة للقرى والمدن الفلسطينية.
ويتعمد الاحتلال اقتحام منازل الأسرى المحررين، ولا سيما أصحاب الأحكام المؤبدة الذين أفرج عنهم في صفقات طوفان الأحرار، ويخضعهم لتحقيقات ميدانية متكررة، ويهددهم باستمرار بعدم ممارسة أي نشاط داخل مجتمعاتهم، حتى وإن كان نشاطاً يقتصر على استعادة حياتهم الطبيعية.
كما يثقل الاحتلال حياتهم بالملاحقة والمراقبة، ويكرر اقتحام منازلهم بصورة مستمرة. وفي كثير من الأحيان، تكون منازلهم أولى المنازل التي تُداهم عند اقتحام قراهم، حيث تُستخدم بعض المنازل كثكنات عسكرية مؤقتة، بالتزامن مع حملات اعتقال وتحقيق ميداني تطال السكان.




