تقارير وحوارات

“بدنا دكتور.. الدكتور بموت”.. كيف قُتل الطبيب عدنان البرش داخل سجن “عوفر”؟

كانوا ينادون على طبيب لإنقاذه، لكن الطبيب الذي أفنى حياته في إنقاذ الآخرين كان قد أصبح هو نفسه ضحيةً لنظام تركه ينزف حتى الموت.
“بدنا دكتور.. الدكتور بموت”.
كانت تلك صرخات الأسرى في القسم (23) بسجن “عوفر”، وهم يرون الطبيب الفلسطيني عدنان البرش يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعينهم.
كان جسده عاجزًا عن الحركة، ونَفَسه ضعيفًا، بعد أن تعرض قبل ذلك لاعتداء وحشي استمر قرابة نصف ساعة على يد نحو عشرين سجانًا.
طرق الأسرى الأبواب، وصرخوا طلبًا للمساعدة.
لكن السجان أخبرهم أنه لا يوجد طبيب.
استمرت الفوضى.
ارتفعت الأصوات، وتواصل الصراخ والطرق على الأبواب، حتى اضطر الاحتلال أخيرًا إلى استدعاء طبيب.
أُخرج البرش من القسم لفحصه.
لكن جهاز القلب أعطى الإشارة التي لم يكن أحد يريد سماعها:
لقد استشهد.
بعد دقائق، وُضع جثمان الطبيب داخل كيس أبيض، ونُقل بعيدًا.
وكأن شيئًا لم يحدث.
قبل أن يصبح هو المريض
قبل أشهر فقط، كان عدنان البرش يقف في الجهة الأخرى تمامًا من هذه الحكاية.
كان استشاريًا ورئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، واحدًا من الأطباء الذين بقوا في مستشفيات غزة بينما كانت القذائف تحاصرها.
أصيب خلال وجوده في المستشفى الإندونيسي، لكنه لم يغادر.
ومع خروج المستشفيات عن الخدمة الواحدة تلو الأخرى، تنقل بين مستشفيات شمال قطاع غزة، يحمل أدواته الطبية ويعالج الجرحى.
وصل إلى مستشفى العودة.
ومن هناك اعتُقل في كانون الأول/ديسمبر 2023.
كان البرش أبًا لستة أطفال.
كانت زوجته تطلب منه العودة إلى المنزل، لكنه كان يكرر اختياره البقاء مع مرضاه.
لم يكن يعلم أن ذلك المستشفى سيكون آخر مكان تراه فيه عائلته.
من التحقيق إلى “عوفر”
بعد اعتقاله، نُقل البرش إلى مراكز التحقيق، وتعرض للتنكيل والاعتداء.
وبحسب إفادة أسير كان قريبًا منه، وبعد انتهاء التحقيق، استدعاه أحد ضباط المخابرات وأبلغه أن دوره انتهى، وأنه لن يراه مجددًا.
بعد يوم أو يومين، نُقل البرش برفقة عدد من المعتقلين إلى سجن “عوفر”.
وهناك، كان ينتظره ما لم يكن أحد من الأسرى يعرف أنه سيكون آخر ما يمر به
“أنا الدكتور”
عندما وصلت الحافلة إلى “عوفر”، بدأ السجانون يسألون عن الدكتور عدنان.
كان لا يزال داخل الحافلة.
وعندما جاء دوره للنزول، قال لهم:
“أنا الدكتور”.
كانوا ينتظرونه.
التف حوله نحو عشرين سجانًا.
ثم بدأ الضرب.
أيدي، أرجل، عصي وأدوات أخرى.
لم يكن اعتداءً عابرًا.
استمر قرابة نصف ساعة.
كان الأسرى يسمعون صراخه واستغاثته.
ثم بدأ صوته يختفي.
بقي صوت الضرب.
لكن صوت الطبيب لم يعد يُسمع.
كان قد فقد وعيه، أو أصبح على حافة الموت.
“الدكتور بموت”
وصل البرش إلى القسم (23) في حالة بالغة الخطورة.
أُلقي في ساحة القسم، ولم يكن قادرًا على الوقوف.
ساعده أحد الأسرى وأدخله إلى الغرفة.
كان نفسه ضعيفًا جدًا.
بدأ الأسرى ينادون السجانين:
“بدنا دكتور”.
لكن السجان قال لهم إنه لا يوجد طبيب، ثم غادر.
لم يستسلم الأسرى.
ارتفعت الأصوات من الغرف، وبدأ المعتقلون ينادون بعضهم بعضًا:
“نادوا معنا.. الدكتور بموت”.
تحول القسم إلى صراخ وطرق على الأبواب.
اضطر الاحتلال في النهاية إلى إحضار طبيب.
لكن الوقت كان قد انتهى.
أُخرج البرش، وفُحص بجهاز القلب.
لم يعد قلبه ينبض.
طبيب غزة الذي لم يجد من ينقذه
في 2 أيار/مايو 2024، أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني رسميًا استشهاد الدكتور عدنان البرش، وأكدا أن المعلومات المتوفرة تشير إلى استشهاده في سجن “عوفر” بتاريخ 19 نيسان/أبريل 2024.
واعتبرت المؤسستان أن ما جرى له عملية اغتيال متعمدة، في سياق الاستهداف الممنهج للأطباء والطواقم الطبية الفلسطينية.
كما كشفت شهادات أسرى أفرج عنهم لاحقًا عن الظروف القاسية التي عاشها معتقلو غزة في القسم (23)، وما تعرضوا له من تعذيب وإذلال واقتحامات متواصلة.
لكن قصة البرش لم تنتهِ عند موته.
فالاحتلال لم يكتفِ بقتله داخل السجن.
احتجز جثمانه أيضًا.
حتى قبره.. لا يملكه
أكثر من عامين مرّا على استشهاد عدنان البرش.
عامان وعائلته لا تستطيع أن تودعه.
لا تستطيع أن تحمله إلى قبره.
لا تستطيع أن تقف فوق جسده وتقرأ الفاتحة.
ولا تزال سلطات الاحتلال تحتجز جثمانه.
رحل الطبيب الذي أمضى حياته في محاولة إنقاذ أجساد الفلسطينيين، بينما لم يجد هو في لحظاته الأخيرة من ينقذه.
كان يعرف كيف يوقف النزيف، لكنهم تركوه ينزف.
كان يعرف كيف ينقذ القلب، لكنهم تركوا قلبه يتوقف.
كان طبيبًا يعالج الجرحى، فأصبح هو جريحًا أمام أعين الأسرى، ثم تُرك للموت.
وهنا لا تنتهي الحكاية.
لأن عدنان البرش لم يكن مجرد طبيب استشهد في السجن.
كان معتقلًا من غزة اختفى خلف جدران الاحتلال، ثم خرج منها جثمانًا، بينما بقيت عائلته تنتظر الحقيقة، وبقي جسده أسيرًا حتى بعد موته.
في غزة، كان البرش يفتح أبواب غرف العمليات لإنقاذ الحياة.
وفي “عوفر”، أُغلقت عليه الأبواب حتى توقفت حياته.
لم يمت لأنه عجز عن إنقاذ مرضاه؛ مات لأنه، حين أصبح هو المريض، لم يسمحوا لأحد بإنقاذه.

زر الذهاب إلى الأعلى