تقارير وحوارات

العمل القسري تحت مسمى “خدمة الجمهور”.. وجه آخر لعقوبات الاحتلال

لا تقتصر العقوبات التي تفرضها سلطات الاحتلال على السجن والغرامات المالية، بل تمتد إلى وسائل عقابية تستهدف كرامة الفلسطيني وهويته. ومن أبرزها عقوبة “العفودات شيروت” أو ما يُعرف بـ“خدمة الجمهور”، وهي عقوبة تُلزم الفلسطينيين بالعمل دون أجر في مؤسسات إسرائيلية، في أعمال قد تكون مهينة، مثل تنظيف دورات المياه، ورعاية المسنين، وتغيير حفاضاتهم، أو أداء أعمال شاقة أخرى، وذلك لمدة قد تصل إلى تسعة أشهر، وهي الحد الأقصى لهذه العقوبة.
ورغم تقديمها في القانون الإسرائيلي باعتبارها بديلًا لعقوبة السجن في القضايا ذات الأحكام القصيرة، فإن استخدامها بحق الفلسطينيين، ولا سيما في القضايا المرتبطة بحرية الرأي والتعبير أو النشاط السياسي والوطني، يكشف عن طبيعتها كأداة قضائية ذات أبعاد سياسية، تُستخدم لمعاقبة النشطاء والصحفيين والقيادات الوطنية، ومحاولة تجريدهم من صفتهم كأسرى ومعتقلي حرية.
ولا تقتصر آثار هذه العقوبة على الحرمان من الحرية، بل تمتد إلى الإذلال النفسي والاجتماعي، إذ يُجبر المحكومون على أداء أعمال غير مدفوعة الأجر داخل مؤسسات إسرائيلية، في محاولة لفرض مهام تنتقص من كرامتهم ومكانتهم الوطنية، إلى جانب استنزافهم اقتصاديًا بحرمانهم من العمل ومصدر الدخل خلال فترة تنفيذ العقوبة.
وفي 21 تموز/يوليو 2026، أصدرت محكمة الاحتلال في الناصرة حكمًا بحق الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، يقضي بإلزامه بعقوبة “خدمة الجمهور” لمدة تسعة أشهر، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 15 ألف شيكل، والسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ في حال ارتكاب “مخالفة” مماثلة، وذلك بعد إدانته بتهمة التحريض على خلفية مواقفه وتصريحاته بشأن المسجد الأقصى وهبة الكرامة عام 2021.
كما حكمت سلطات الاحتلال خلال تموز/يوليو 2026 على الصحفية المقدسية آلاء الصوص بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ، وفرضت عليها عقوبة “خدمة الجمهور” لمدة تسعة أشهر، إضافة إلى غرامة مالية، بتهمة التحريض، رغم تعرضها لاعتداءات متواصلة في باحات المسجد الأقصى.
ولم تكن الصحفية المقدسية لمى غوشة بعيدة عن هذه السياسة، إذ حُكم عليها عام 2023 بأقصى مدة لعقوبة “خدمة الجمهور”، بعد انتهاء فترة الحبس المنزلي، وقالت معقبة على القرار: “هذا درب من دروب الذل والقهر الممارسة ضد المقدسي.”
وعاشت غوشة حالة من القلق والترقب بانتظار تحديد مكان تنفيذ العقوبة، دون معرفة طبيعة العمل الذي ستؤديه، مؤكدة أن الاحتلال يجبر العديد من المقدسيين على العمل في مهن تمتهن كرامتهم، مثل تنظيف دورات المياه في مؤسسات إسرائيلية، أو نقل أعلاف الحيوانات، أو رعاية المسنين وتغيير حفاضاتهم، معتبرة أن ذلك يمثل محاولة لسلخ المقدسي عن هويته الوطنية وإخضاعه نفسيًا.
وتتهم سلطات الاحتلال غوشة بالتحريض والتماهي مع تنظيمات المقاومة، مستندة إلى عملها الصحفي وتغطيتها لقضايا الأسرى والفئات المهمشة في القدس، في سياق متكرر لاستهداف الصحفيين الفلسطينيين بسبب نشاطهم الإعلامي ومواقفهم الوطنية.
ويرى ناشطون مقدسيون أن عقوبة “خدمة الجمهور” لا تُستخدم كبديل عن السجن فحسب، بل تُوظف كأداة للتضييق على الفلسطينيين، وإفقارهم، وإجبارهم على العمل المجاني داخل مؤسسات الاحتلال، بما يخدم سياسة الضغط عليهم ودفعهم إلى الرحيل القسري عن القدس، إلى جانب محاولة إظهارهم أمام الرأي العام كمرتكبي مخالفات جنائية عادية، بدلًا من الاعتراف بحقيقة استهدافهم بسبب مواقفهم الوطنية.
وتؤكد هذه الوقائع أن ما يسمى بـ”خدمة الجمهور” لا يمثل مجرد عقوبة بديلة عن السجن، بل يشكل أحد أوجه العمل القسري الذي تستخدمه سلطات الاحتلال للإذلال والإفقار والضغط النفسي، ضمن منظومة عقابية تستهدف الفلسطينيين، ولا سيما المقدسيين وفلسطينيي الداخل، في محاولة لكسر إرادتهم، وتشويه نضالهم، والانتقاص من كرامتهم وهويتهم الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى