زوجة الأسير جهاد عفانة بين فقد الابن وقسوة الاعتقال

في مستشفى كمال عدوان، وسط حصار امتدّ ثمانين يوماً، اعتُقل جهاد عفانة. لم تكن مها العالول، زوجته، تعلم حينها أنّ ذلك اليوم سيكون بداية رحلة طويلة من الانتظار والصمت المفروض، ورحلة أخرى موازية من الفقد لم تكتمل تفاصيلها إلا بعد أشهر.
في اليوم نفسه الذي اعتُقل فيه جهاد، اعتُقل أيضاً والد مها وأخوها، الصدفة القاسية أن الأب رأى جهاد هناك، معتقَلاً، دون أن يعرف أحد من العائلة بعد أنّ زوج ابنته صار أسيراً ، حين أُفرج عن الأب والأخ الصغير، حمل الأب الخبر إلى ابنته: “جهاد عند اليهود”، تقول مها إن تلك اللحظة، لحظة سماع الخبر من فم أبيها، كانت الصدمة الأولى.
“الزوج هو السند والظهر”، تقول مها. ومنذ تلك اللحظة، وجدت نفسها تحمل مسؤولية ثقيلة وحيدة، مسؤولية بيت وأطفال، دون الظهر الذي اعتادت أن تستند إليه.
قبل استشهاد ابنها، كانت هناك زيارة من محامية دخلت على جهاد في المعتقل، وعادت لتطمئن مها: “وضعه كويس، إن شاء الله بيطلع بعد فترة قريبة”. لكن بين تلك الزيارة وما بعدها، استُشهد الابن، ولم يكن جهاد يعرف. حين وصله الخبر لاحقاً، كانت الصدمة له وحده، خلف الجدران، بلا أحد يحتضنه.
بعد ثلاث عشرة سنة من انتظار مها، جاء الابن الذكر وسط أربع بنات. فرح جهاد به فرحاً كبيراً، ورآه ستة أشهر قبل أن تُحاصَر العائلة وتُضطر مها للابتعاد عنه. ثم استُشهد الطفل.
تقول مها إنها بقيت تفكر ماذا ستقول لأبيه، وهو في السجن، خائفة جداً من ردة فعله. “رد فعله، الحمد لله، رغم أنها كانت صعبة عليه، إلا أني ارتحت لما عرف” – كأن معرفته، رغم قسوتها، كانت أخف من جهل يطول.
من الأسرى الذين أُفرج عنهم، وصلت أخبار جهاد بطريقة غير مباشرة: كان يتحدث عن ابنه كثيراً، يقول لرفاقه إنه حين يخرج سيجد ابنه قد كبر وأصبح طوله. كان لا يزال، في حينها، لا يعرف أن ابنه لم يعد بينهم.
الآن، بعد سنتين من الأسر، وبعد أن وصله خبر استشهاد ابنه، يحمل جهاد فقداً مضاعفاً: فقد الحرية، وفقد الابن الذي كان ينتظر أن يراه يكبر.
تصف مها ما وصلها من أخبار عن وضع زوجها الصحي: خسر عشرة كيلوغرامات من وزنه، يعاني من ألم شديد في أسنانه ورجله، والطعام في المعتقل سيئ. وصلها أن الاحتلال يرفض معالجته. لا علاج، لا استجابة، فقط إهمال طبي ممنهج يتكرر في شهادات أسرى كثيرين قبله.
تختم مها شهادتها بجملة تختصر كل ما سبق: “كان مريحني من تعب الحياة، ولما اتأسر حسيت بتعب الحياة. مستعدة أتحمّل تعب الحياة بس يروح”.
جملة بسيطة، لكنها تحمل ثقل امرأة حملت بيتاً وأطفالاً وحيدة، وفقدت ابناً، وتنتظر زوجاً غائباً يذوب جسده خلف القضبان، وهي لا تطلب سوى أن يعود.




