تقارير وحوارات

حين يصبح الصحفي هو القصة.. شهادة أسامة دبور بعد عامين من الأسر

في 11 ديسمبر/كانون الأول 2023، وبينما كانت الحرب تدخل شهرها الثالث، كان الصحفي الفلسطيني أسامة دبور داخل مستشفى كمال عدوان يؤدي عمله، قبل أن يتحول المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذًا للمرضى والعاملين فيه إلى نقطة بداية لرحلة اعتقال استمرت عامين. يقول دبور إن اعتقاله جرى وهو على رأس عمله، مرتديًا زي الصحافة ويحمل معدات عمله، وإنه اعتُقل مع آخرين كانوا داخل المستشفى. ومنذ اللحظة الأولى، كما يروي، لم تكن المعاملة مرتبطة بكونهم مدنيين أو صحفيين أو مرضى، بل بدأت بسحبهم وتجميعهم وتجريدهم من ملابسهم وتركهم في البرد والمطر، في مشهد بقي عالقًا في ذاكرته حتى بعد خروجه من السجن.

من خلف الكاميرا إلى قلب المشهد

يستعيد دبور تلك الساعات بوصفها واحدة من أقسى مراحل حياته، ويقول إن المعتقلين تعرضوا للضرب والإهانات، وإن الاستجواب ركز على عمله الصحفي ووجوده داخل المستشفى. كان السؤال، بحسب شهادته، لا يتوقف عند اسمه أو مكان عمله، بل امتد إلى ما يعرفه عن المستشفى والمصابين والطواقم الطبية، وأماكن وجودهم، وطبيعة عمله الصحفي. ويقول إن كونه صحفيًا كان حاضرًا في كل مراحل التحقيق، وإن ذلك انعكس على طريقة التعامل معه. وبالنسبة إلى رجل أمضى الحرب خلف الكاميرا محاولًا نقل ما يراه للناس، وجد نفسه هذه المرة داخل المشهد، محرومًا من الكاميرا، ومطالبًا بتفسير كل ما سبق أن وثقه وشاهده.

البرد والضرب.. البداية الأصعب

ويقول دبور إن المعتقلين نُقلوا بعد ذلك إلى مناطق أخرى في ظروف شديدة القسوة، وكان من بينهم أطباء ومعلمون ومصورون وشيوخ وكبار في السن. يتذكر بينهم رجلًا قال إنه كان يتجاوز الستين من عمره، في إشارة إلى أن المعاناة لم تكن مرتبطة بعمر المعتقل أو مهنته، بل طالت الجميع. ويصف دبور تلك المرحلة بأنها سلسلة متواصلة من الضرب والإهانات والبرد والخوف والاستجواب، فيما كان المعتقلون ينتقلون من مكان إلى آخر من دون أن يعرفوا ما ينتظرهم في المحطة التالية.

سدي تيمان.. “مقبرة وليست سجنًا”

ثم جاءت محطة سدي تيمان، التي تبدو الأكثر رسوخًا في ذاكرته. لا يصف دبور المكان كسجن بالمعنى التقليدي، بل يقول بوضوح: “سدي تيمان بالنسبة لنا كان أشبه بمقبرة، وليس سجنًا.” ويشرح أن المعتقلين كانوا يعيشون في ظروف قاسية تفرض عليهم البقاء في المكان نفسه للأكل والنوم والجلوس، مع قيود شديدة على الحركة والكلام، وسماح بالذهاب إلى الحمام مرة واحدة في اليوم، إلى جانب شح المياه وسوء الطعام. وفي روايته، لم تكن المعاناة في تفاصيل منفردة، بل في تراكمها اليومي؛ في المكان المغلق، والحرمان، والخوف، وفقدان الإحساس بالوقت، حتى بدا الاحتجاز وكأنه حياة معلقة لا يعرف صاحبها متى تنتهي.

من سدي تيمان إلى النقب

ومن سدي تيمان انتقل دبور إلى سجن النقب، حيث واجه، وفق شهادته، أشكالًا متعددة من الاحتجاز، بينها الغرف والخيام والأقفاص والعزل الانفرادي. وإذا كان الشتاء قد حمل معه البرد والمطر والتجريد من الملابس في بداية الاعتقال، فإن الصيف كان فصلًا آخر من المعاناة، خصوصًا داخل الخيام. يقول دبور إن الظروف داخلها كانت شديدة الصعوبة، وإن إغلاق الخيام والحرارة والاكتظاظ جعلت الحياة اليومية أكثر قسوة، بينما كان المعتقلون يمضون الوقت في انتظار خبر من الخارج أو أي إشارة تمنحهم بعض الطمأنينة.

عامان من الانتظار..

لكن خلف هذه التفاصيل القاسية، ظل شيء آخر حاضرًا في ذاكرة دبور: عائلته، وعائلات بقية الأسرى، والأخبار القادمة من غزة. يقول إن المعتقلين كانوا يحاولون معرفة ما يحدث في الخارج، ويتابعون أخبار أسرهم في حدود ما يصل إليهم، فيما كانت عائلاتهم تعيش هي الأخرى في حالة من الانتظار والقلق. ومع مرور الأشهر، لم يعد السؤال بالنسبة إليه متى سيخرج هو فقط، بل ماذا سيحدث لمن سيبقى خلف الأبواب المغلقة بعده.

خرج إلى الحرية.. وبقي آخرون خلف القضبان

اليوم، وبعد خروجه، لا يتحدث دبور عن تجربته باعتبارها صفحة أغلقت بانتهاء الاعتقال، بل باعتبارها شهادة يحملها معه عن أولئك الذين ما زالوا في السجون. ويؤكد أن قضية الأسرى، من وجهة نظره، تحتاج إلى أن تبقى حاضرة وألا تختفي خلف أخبار الحرب وتطوراتها، لأن لكل أسير قصة ومعاناة وأسرة تنتظر. ويقول: “نحن خرجنا والحمد لله، لكن هناك إخواننا وأسرانا ما زالوا في السجون.” كلمات تحمل في داخلها المفارقة الأشد في شهادته؛ حرية استعادها هو، بينما ما زال آخرون ينتظرونها.

“ربما يموت أسير ولا يصل خبره إلى الإعلام”

وفي ختام حديثه، يعبّر دبور عن خشية من أن يموت بعض الأسرى داخل السجون من دون أن يصل خبرهم إلى الإعلام، ويقول: “أنا متأكد أن هناك أسيرًا يموت داخل السجون، وربما لا يخرج خبر وفاته إلى الإعلام.” ومن هنا تتحول شهادته من سرد لتجربة شخصية إلى صرخة من أجل من بقي خلفه؛ فالرجل الذي اعتاد أن يقف خلف الكاميرا ليوثق آلام الآخرين، خرج هذه المرة وهو يحمل قصة عاش تفاصيلها بنفسه، تاركًا خلفه وجوهًا وأسماء ورفاقًا ما زال مصيرهم معلقًا خلف القضبان.

شهادة لم تنتهِ عند بوابة السجن

عامان فصلا بين لحظة اعتقال أسامة دبور داخل مستشفى كمال عدوان ولحظة خروجه إلى الحرية. وبين البداية والنهاية، مرّ كما يروي، بالبرد والضرب والاستجواب والنقل بين أماكن الاحتجاز، وعاش ظروفًا وصفها بأنها أقرب إلى المقبرة منها إلى السجن. لكنه حين عاد إلى خارج القضبان، لم يحمل معه ذكرى الاعتقال وحدها؛ حمل أيضًا هاجس الأسرى الذين لم يعودوا بعد، ورسالة يريد أن تصل إلى العالم: أن من خرج من السجن قد تنتهي محنته، لكن محنة من بقي خلفه لم تنتهِ بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى