هل هذا حقًا حسام أبو صفية؟.. صورة واحدة كشفت ما فعلته السجون بطبيب الأطفال

في العاشر من يونيو 2026، خرجت صورة للإعلام، بطلها كان الطبيب الأسير حسام أبو صفية، ووصفت بأنها الظهور الأول له أمام محكمة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تحاكمه فقط لأنه طبيب آثر أن يكمل حتى آخر الوقت مهمته في إنقاذ الأرواح إيفاءً لقسم أبقراط.
بين آخر صورة له قبل الاعتقال، وأحدث صورة له أمام محكمة الاحتلال، فروقات واختلافات تتجاوز المليون، غير أن العامل المشترك الأبرز بين الصورتين هو اللون الأبيض. ففي الأسبوع الأخير من ديسمبر/كانون الأول 2024، غادر أبو صفية مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة ليسلم نفسه لقوات الاحتلال الإسرائيلي مرتديًا معطفه الأبيض، وفي صورة المحاكمة كان أيضًا يرتدي الأبيض.
عدا ذلك، من يعرف أبو صفية، يكاد للوهلة الأولى ينكر أن الشخص في صورة المحكمة هو ذاته أبو صفية. فقد ظهر بذقن طويلة، مقارنة بصورة الطبيب حليق الذقن أنيق الهندام، وعلى ذراعيه آثار تعذيب واضحة، فيما بدت ملامح وجهه مرهقة ومتعبة بشكل يشي بما يمر به منذ قرابة عام ونصف من الاعتقال، والتهمة أنه طبيب أطفال.
كلنا تابعنا خطاه الواثقة وهو يسير فوق الركام. بماذا كان يفكر آنذاك وهو يتقافز متجاوزًا الدمار؟ وآخر ما رأيناه وهو يدخل الدبابة، كانت ملامحه تحمل كثيرًا من الهدوء والطمأنينة والرضا بما قدره الله له. ومهما حاول الاحتلال بث فيديوهات أو صور تظهره في أوهن حال، سيبقى أبو صفية أسطورة وبطلًا ومثالًا يحتذى به لكل فلسطيني مؤمن بقضيته.
وفي مقابلة لمكتب إعلام الأسرى، تحدثت شقيقته سماهر أبو صفية، وشاركتنا ما يشعر به كثير ممن عرفوا الدكتور حسام أبو صفية، حين أعربت عن صدمتها الشديدة بالصورة التي ظهرت له أثناء مثوله أمام محكمة الاحتلال.
تقول سماهر إنها عندما شاهدت الصورة لم تستطع استيعاب أن الرجل الظاهر فيها هو شقيقها حسام الذي تعرفه.
وتضيف: “لما شفت الصورة انصدمت… حسيت إنه مش أخوي. هاد أخوي ولا واحد عجوز عمره تجاوز المئة سنة؟”
وتؤكد أن شقيقها الذي يبلغ من العمر 53 عامًا فقط بدا وكأنه أكبر بكثير من عمره الحقيقي، بعدما فقد أكثر من نصف وزنه تقريبًا، وباتت آثار الإرهاق والتعب واضحة على وجهه وجسده.
وتقول إن آثار التعذيب بدت واضحة على يديه، فيما كانت ملامح الإنهاك ظاهرة بشكل مؤلم، مضيفة أن الصورة الأخيرة جسدت كل ما كانت العائلة تسمعه خلال الأشهر الماضية من المحامين حول ما يتعرض له داخل السجن.
وتتابع: “من يوم ما المحامي بتواصل مع الدكتور حسام، ما وصلنا ولا خبر بيسر القلب. كلها أخبار سيئة. ومرة عن مرة كانت الأخبار أسوأ من قبل. لكن الصورة الأخيرة أثبتت كل شيء، وأظهرت حجم المعاناة اللي كان يوصلنا عنها.”
وتوضح سماهر أن شقيقها يعاني من تدهور مستمر في وضعه الصحي، وضعف شديد في البصر، وإرهاق جسدي ونفسي متواصل، إلى جانب معاناته من مشكلات صحية متعددة تفاقمت خلال فترة اعتقاله.
وتضيف أن الخوف عليه يزداد يومًا بعد يوم، خاصة في ظل استمرار عزله وحرمانه من العلاج، مؤكدة أن العائلة باتت تشعر أن حياته في خطر حقيقي.
وتتوقف سماهر عند شخصية شقيقها الإنسانية، مؤكدة أنه لم يكن يومًا سوى طبيب كرّس حياته لخدمة المرضى والأطفال.
وتقول: “كان يعامل جميع الموظفين في المستشفى بنفس الطريقة، ما كان يفرق بين طبيب أو ممرض أو عامل نظافة أو فني صيانة. الكل كان يحبه ويحترمه. كان يحب مهنته ويعيش من أجلها.”
وتضيف بحرقة: “إذا كان ذنب حسام أنه بقي مع الأطفال والجرحى والمصابين ووقف وقفة حق معهم، فهل أصبحت الإنسانية تهمة؟”
وتكشف العائلة أن الدكتور حسام ما يزال معزولًا إلى درجة أنه لا يعرف الكثير من تفاصيل ما يجري خارج السجن. وتستدل على ذلك بأنه طلب من محاميه في إحدى الرسائل أن ينقل قضيته عبر الصحفي الشهيد أنس الشريف، دون أن يعلم أن أنس ارتقى شهيدًا.
ولم تكن الصورة التي ظهرت للدكتور حسام أمام المحكمة سوى جزء من واقع أكثر قسوة تكشفه الشهادات والتقارير الواردة من داخل السجون.
ففي الثالث من يونيو/حزيران الجاري، نقلت إدارة سجون الاحتلال الدكتور أبو صفية من سجن النقب إلى العزل الانفرادي في سجن نفحة، بعد أيام من تقديم طاقم الدفاع عنه استئنافًا أمام المحكمة العليا الإسرائيلية اعتراضًا على استمرار احتجازه.
واعتبرت العائلة أن هذه الخطوة تمثل إجراءً عقابيًا وتصعيدًا جديدًا بحقه، خاصة في ظل ظروف اعتقاله القاسية وحرمانه المستمر من العلاج والرعاية الطبية.
وخلال جلسة المحكمة الأخيرة، ظهر أبو صفية عبر الاتصال المرئي من داخل زنزانته، مقيد اليدين والقدمين، في أول ظهور علني له منذ أكثر من عام.
وأكد خلال الجلسة أنه يعاني آلامًا حادة في الظهر والرقبة نتيجة ما تعرض له داخل المعتقل، إضافة إلى مشكلات في العين وأمراض جلدية منتشرة في جسده، مشددًا على أنه لم يتلق العلاج اللازم رغم حاجته الماسة إليه.
كما كشفت العائلة أن حالته الصحية شهدت تدهورًا ملحوظًا خلال الأشهر الماضية، في ظل استمرار الإهمال الطبي والعزل، فيما تؤكد شهادات ومحاضر زيارات قانونية سابقة أنه فقد نحو 25 كيلوغرامًا من وزنه، ويعاني من أمراض مزمنة في القلب وارتفاع ضغط الدم.
ومنذ اعتقاله عقب اقتحام مستشفى كمال عدوان في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، تحول الطبيب الذي ارتبط اسمه بإنقاذ الجرحى والمرضى خلال الحرب على غزة إلى أحد أبرز رموز استهداف الطواقم الطبية الفلسطينية.
ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن قضية الدكتور حسام أبو صفية تمثل نموذجًا صارخًا لسياسة الاحتلال في استهداف الكوادر الطبية الفلسطينية التي واصلت أداء واجبها الإنساني خلال العدوان على قطاع غزة.
ويشير المكتب إلى أن استمرار اعتقاله وعزله انفراديًا وحرمانه من العلاج، رغم التدهور الواضح في حالته الصحية، يشكل جريمة مركبة وانتهاكًا صارخًا لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الطواقم الطبية والأسرى المرضى.
ويحمّل المكتب الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة الدكتور أبو صفية وسلامته، مطالبًا الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية الدولية بالتدخل العاجل لإنقاذه وتأمين الرعاية الطبية اللازمة له.
ويبقى السؤال الذي تركته صورة الدكتور حسام أبو صفية في وجدان كل من شاهدها: كم من الألم يمكن أن يتحمله طبيب أمضى حياته ينقذ الآخرين، قبل أن يجد نفسه وحيدًا في مواجهة المرض والعزل والسجن؟
فبين الطبيب الذي غادر مستشفى كمال عدوان مرتديًا معطفه الأبيض، والطبيب الذي ظهر أمام المحكمة باللون ذاته، عام ونصف من الوجع والتعذيب والإهمال. عام ونصف كانت كفيلة بأن تسرق من وجهه ملامحه، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه الحقيقة التي يعرفها الجميع: أن حسام أبو صفية لم يكن سوى طبيب اختار أن يبقى إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة.




