خمس صحفيات خلف القضبان… حين تصبح الحقيقة تهمة

كانت أقلامهن تروي حكايات شعبهن، واليوم أصبحن هنّ الحكاية. خمس صحفيات وناشطات وكاتبات فلسطينيات يقبعن في سجن “الدامون”، بعدما حوّل الاحتلال العمل الصحفي وحرية التعبير إلى تهمة جاهزة تحت عنوان “التحريض”، في محاولة لإسكات الكلمة الحرة وملاحقة كل من يوثق الحقيقة.
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال يعتقل اليوم نحو 40 صحفيًا وصحفية من الضفة الغربية وقطاع غزة، بينهم صحفيان من قطاع غزة رهن الإخفاء القسري.
وتبرز قضية الأسيرات الصحفيات باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إيلامًا، إذ يحتجز الاحتلال خمس صحفيات فلسطينيات في سجن “الدامون”، من بين نحو 99 أسيرة فلسطينية، في استمرار لسياسة تستهدف الإعلام الفلسطيني والعاملين فيه.
تتوزع الأسيرات الصحفيات الخمس بين محافظات الخليل ورام الله وبيت لحم، فيما تواجه اثنتان منهن أوامر اعتقال إداري دون تهمة أو محاكمة. وتتعرض الصحفيات، شأنهن شأن بقية الأسيرات، لانتهاكات جسيمة داخل سجن “الدامون”، أبرزها سياسة التجويع، والإهمال الطبي، وانعدام النظافة، والحرمان من مقومات الحياة الأساسية، ومنع التواصل مع العالم الخارجي، ومصادرة الأوراق والأقلام، وسحب المصاحف، وعدم توفير تنانير للصلاة، في انتهاك يطال حتى حقهن في ممارسة شعائرهن الدينية.
ولا يكاد يبقى للأسيرات متنفس سوى زيارات محدودة للمحامين، ينقلن خلالها جانبًا من معاناتهن ومحاكماتهن المؤجلة أو أوامر الاعتقال الإداري المتجددة، والتي تستند في معظمها إلى تهمة “التحريض”، وهي التهمة التي يستخدمها الاحتلال بصورة متكررة لتجريم العمل الصحفي وحرية الرأي والتعبير.
الصحفية فرح أحمد أبو عياش… التحقيق بدل الكاميرا
تعد الأسيرة الصحفية فرح أحمد أبو عياش (26 عامًا) من بلدة بيت أمر شمال الخليل، إحدى أقدم الأسيرات الصحفيات المعتقلات في سجن “الدامون”. اعتقلها الاحتلال في 5/8/2025، وتعرضت منذ اللحظات الأولى لاعتقالها لجملة من الانتهاكات، شملت تفتيش هاتفها، وتكبيل يديها حتى التورم، ونهش كلاب الاحتلال لملابسها، وضرب رأسها بالحائط، وإجبارها على تقبيل علم الاحتلال.
اعتقلت فرح على خلفية عملها الصحفي، ووجهت إليها تهمة “التحريض”، بينما لم تمارس سوى حقها في نقل الحقيقة والتعبير عن الرأي.
وخلال التحقيق أمضت 55 يومًا في مركز تحقيق “المسكوبية”، ووصفت لمحاميها حسن عبادي تلك الفترة بأنها “فيلم رعب”، بعدما احتجزت في غرفة تنتشر فيها الحشرات، وتفتقر للهواء وضوء الشمس، قبل نقلها إلى سجن “الدامون”، حيث لا تزال موقوفة وتواجه محاكمات متكررة ومؤجلة.
الصحفية لمى خاطر… كاتبة عادت إلى الأسر
وفي محافظة الخليل، أعاد الاحتلال اعتقال الكاتبة والناشطة لمى عبد المطلب خاطر (50 عامًا) بتاريخ 24/3/2026، بعد أشهر من الإفراج عنها في صفقة “طوفان الأحرار”، قبل أن يحول ملفها إلى الاعتقال الإداري بتاريخ 30/3/2026.
وخلال اعتقالها نقلت إلى مركز تحقيق “المسكوبية”، حيث صادرت قوات الاحتلال نظارتها الطبية، ما تسبب لها بآلام شديدة وصداع متواصل، إلى جانب تعرضها للقمع والسب والشتم. ولمى أم لخمسة أبناء، وهي زوجة الأسير المحرر حازم الفاخوري الذي أمضى في سجون الاحتلال ثلاث سنوات، وتتعرض داخل السجن لمضايقات وتنكيل متواصل.
الصحفية بشرى الطويل… اعتقالات تتكرر
ومن محافظة رام الله، يواصل الاحتلال احتجاز الصحفية بشرى جمال الطويل (32 عامًا)، بعد إعادة اعتقالها بتاريخ 5/2/2026 أثناء مرورها عبر حاجز عسكري، قبل أن يحول ملفها بعد أيام إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر.
وكانت بشرى قد أفرج عنها من اعتقال سابق قبل فترة وجيزة من إعادة اعتقالها، فيما تجاوز مجموع ما أمضته في سجون الاحتلال أكثر من خمس سنوات على مدار أربع اعتقالات متفرقة، في استهداف متكرر لعملها الصحفي.
نتالي أبو دية… حلم الجامعة والمنتخب خلف القضبان
كما يعتقل الاحتلال الصحفية وطالبة الإعلام نتالي أبو دية (21 عامًا) من بلدة بيرزيت قضاء رام الله، منذ 2/6/2026. وتعد نتالي أيضًا لاعبة في المنتخب الوطني الفلسطيني لكرة القدم النسوية.
اقتحمت قوات الاحتلال منزلها بينما كانت تستعد لإنجاز واجباتها الجامعية، لتنقطع فجأة مسيرتها الأكاديمية والرياضية معًا.
وكانت سلطات الاحتلال قد اعتقلت أيضًا زميلتها في المنتخب الوطني رند الحلواني قبل الإفراج عنها بعد أسبوع، فيما لا تزال نتالي رهن الاعتقال.
الصحفية إسلام عمارنة… حور تنتظر والديها
ومن مخيم الدهيشة في محافظة بيت لحم، اعتقل الاحتلال الصحفية إسلام عبد المجيد عمارنة (31 عامًا) فجر 3/5/2026، عقب اقتحام منزل عائلتها، دون أن يمنحها فرصة لوداع طفلتها “حور”.
وتقبع إسلام في الاعتقال بينما يواصل الاحتلال احتجاز زوجها الأسير الموقوف أسامة حسن حماد (32 عامًا)، المعتقل منذ 23/7/2023، لتبقى طفلتهما “حور” محرومة من والديها، في صورة تجسد الأثر الإنساني العميق الذي تخلفه الاعتقالات على العائلات الفلسطينية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال ملاحقة الصحفيات الفلسطينيات، فإنه لا يستهدف أشخاصًا بعينهم بقدر ما يستهدف الكلمة الحرة والرواية الفلسطينية.
فهذه الصحفيات لم يحملن سوى أقلامهن وكاميراتهن لنقل معاناة شعبهن، لكن الاحتلال حوّل الحقيقة إلى تهمة، والعمل الصحفي إلى ذريعة للاعتقال.
ورغم الإدانات الحقوقية المتكررة، يواصل الاحتلال انتهاكاته بحق الأسيرات الصحفيات، من تعذيب وإهمال طبي وتجويع وعزل ومحاكمات متكررة، في محاولة لإسكات الشاهد ومصادرة الرواية الفلسطينية. غير أن الحقيقة تبقى أقوى من القضبان، وأوسع من الزنازين، وتظل أقلام الصحفيات المعتقلات شاهدة على مرحلة يحاول الاحتلال فيها اعتقال الكلمة، قبل الإنسان.




