بين العزل والتفتيش العاري… أسرى عزل مجدو تحت مقصلة الإذلال

لا يمرّ الليل هادئاً على أهالي الأسرى، خاصة أولئك الذين يقبع أبناؤهم في مقبرة عزل مجدو، إذ تداهم أفكارهم ومخيلتهم أسوأ السيناريوهات الممكنة حول مصير أبنائهم. والأخبار التي تصل عبر زيارات المحامين تؤكد أن رموز الحركة الأسيرة يعيشون حالةً متواصلة من الإذلال وانتهاك الكرامة، فيما تواصل وحدات القمع والتفتيش ملاحقتهم عبر التفتيش العاري المهين والانتهاكات العلنية للإنسانية.
الأهالي يؤرقهم الليل كما النهار، ويتساءلون: إذا كانوا هم يعيشون هذا الهلع الدائم على أسرى لا يرونهم، فكيف هو حال الأسرى أنفسهم داخل العزل، وهم يواجهون بأجسادهم مرحلة قمع شرسة تقودها إدارة السجون بحقهم، بالتزامن مع سياسات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وإقرار قانون إعدام الأسرى.
وعلمت عائلات عدد من أسرى العزل في سجن مجدو أن إدارة السجن باتت تمارس سياسة متكررة بحق الأسرى، تتمثل في إخضاعهم للتفتيش العاري المهين، وإذلالهم ومنعهم من العودة إلى غرفهم حتى انتهاء وحدات التفتيش من عمليات الاقتحام والتخريب.
الحركة الأسيرة عايشت على مدار سنوات طويلة سياسات متعددة من القمع والتنكيل والانتهاكات، إلا أن ما يجري اليوم تجاوز حدود المألوف، خاصة في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، ومنع زيارات الأهالي، وعرقلة زيارات المحامين والمؤسسات المختصة، واستمرار إعلان الحرب على الأسرى بالتزامن مع حرب السابع من أكتوبر.
ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ما يصل من أخبار حول أوضاع الأسرى في عزل مجدو ليس سوى غيض من فيض، إذ تخضع زيارات المحامين لجملة من القيود والعراقيل، أبرزها مراقبة الأسرى عن كثب، ومنعهم من الحديث بحرية عن تفاصيل ما يتعرضون له، إضافة إلى التضييق على نقل الصورة كاملة. كما أن أي محامٍ يتجاوز القيود المفروضة قد يتعرض للعقاب بمنعه من الزيارة أو ملاحقته مهنياً.
ورغم ذلك، يبذل الأسرى كل ما يستطيعون لنقل صورة واقعية وحقيقية لما يجري معهم، علماً بأنهم يتحملون القمع والتنكيل قبل الزيارة وبعدها، إلا أن تلك الزيارات تبقى متنفسهم الوحيد لمعرفة ما يجري خارج السجن ولنقل معاناتهم، فيتحملون ما يفوق قدرة البشر على الاحتمال.
وتؤكد زوجة الأسير القيادي عبد الخالق حسن النتشة (71 عاماً) من الخليل، أن زوجها موجود في عزل مجدو منذ تاريخ 11/3/2025، وهو الذي أمضى أكثر من 26 عاماً في سجون الاحتلال بين أحكام فعلية واعتقالات إدارية. ويعاني النتشة من عدة أمراض، بينها مشاكل في الكلى، والتهاب البروستاتا، وارتفاع ضغط الدم، وحساسية في الصدر والجلد، كما سبق أن أُصيب بفيروس كورونا وعانى مضاعفاته، إضافة إلى خضوعه سابقاً لعمليات قسطرة في القلب والرئتين، الأمر الذي يجعل جسده غير قادر على تحمل ما يتعرض له الأسرى من تنكيل داخل العزل.
وأضافت زوجته أنها فقدت التواصل معه منذ أشهر طويلة، وحين تمكن محاميه من زيارته أخيراً، أبلغها بأنه عُرض على طبيب بسبب تدهور حالته الصحية، لكنه لم يحصل على العلاج اللازم، خاصة في ظل معاناته من مشاكل الكلى والحساسية. إلا أن أكثر ما آلم العائلة هو معرفتهم بتعرضه للقمع والتفتيش العاري المهين.
ويُعدّ التفتيش العاري إحدى السياسات التي تستخدمها إدارة عزل مجدو بهدف إذلال رموز الحركة الأسيرة، وهو ما أكدته الأسيرة المحررة غفران زامل، خطيبة الأسير المحكوم بالمؤبد القيادي حسن عبد الرحمن سلامة (45 عاماً) من غزة، إذ نقل لها المحامي بعد زيارته الأخيرة أن “الذل وانتهاك الكرامة أصبحا عنوان المرحلة داخل عزل مجدو”.
وقال حسن سلامة في رسالة نقلها عبر محاميه إن الأسرى يُجبرون على الخروج من الزنازين دون ملابس خلال عمليات التفتيش، ويبقون على هذه الحال حتى انتهاء وحدات القمع من تفتيش الغرف، مؤكداً أن أوضاعهم “بالغة الصعوبة”، وأن “لا أحد يعلم حقيقة ما يجري معهم داخل العزل”.
كما أكدت خطيبة الأسير المؤبد القيادي بلال يعقوب البرغوثي (49 عاماً) من رام الله، أن “وجع الأسرى في عزل مجدو أكبر من أن يُروى”، مشيرة إلى وجود تفاصيل قاسية لا يعلم عنها أحد، ورغم كل ذلك “تواصل أرواح الأسرى مقاومة القهر بصمت”.
أما عائلة الأسير القيادي المؤبد مهند طلال شريم (50 عاماً) من طولكرم، فأكدت أنه لا يزال يعاني من سوء الطعام، إضافة إلى القمع والتفتيش العاري المهين، وهو ما عرفته العائلة خلال زيارة حديثة لمحاميه، علاوة على فقدانه أكثر من 40 كيلوغراماً من وزنه.
وأكدت عائلة الأسير القيادي المؤبد معمر فتحي شحرور (49 عاماً) من طولكرم، أن الأسرى لا يزالون يخضعون لسياسات إذلال وتفتيش عارٍ متكررة، حتى وإن تراجعت وتيرة القمع الجسدي أحياناً. وأوضحت أن أهالي الأسرى لا يحصلون على معلومات كافية عن أبنائهم بسبب التضييق على زيارات المحامين ومراقبة السجان لكل ما يقوله الأسير، إذ إن أي معلومة تخرج من داخل العزل قد تكون سبباً في تعرض الأسير للعقاب والتنكيل.
وأضافت العائلة أن أهالي أسرى العزل لم يناموا ليلتهم بعد وصول الأخبار الأخيرة، وبقوا لساعات طويلة يواسون بعضهم بعضاً تحت وطأة القلق والخوف على مصير أبنائهم، واصفين ما يجري بأنه “ذلّ يفوق الوصف”.
أما الأسير رزق عبد الله الرجوب (65 عاماً) من الخليل، وهو أسير مريض ومعتقل إدارياً منذ 12/6/2023، فلا تعلم عائلته شيئاً عن أخباره منذ نقله إلى عزل مجدو، سوى ما يصلها عبر أسرى آخرين أو محاميهم. وتشير المعلومات التي وصلت للعائلة إلى أنه طلب زيارة عاجلة، فيما تؤكد العائلة أن ظروفه في عزل ريمون كانت أفضل بكثير مما يعيشه اليوم في عزل مجدو.
ولعل من أقسى القصص التي تخرج من عزل مجدو قصة الأسير الشاب مناضل يعقوب انفيعات (29 عاماً) من جنين، أحد أسرى نفق جلبوع الذين تمكنوا من الفرار من السجن عام 2021، قبل إعادة اعتقالهم لاحقاً. ومناضل معتقل منذ 11/2/2020، ويواجه حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف، بعد إضافة سنتين ونصف إلى حكمه الأصلي على خلفية مشاركته في عملية نفق جلبوع.
وأكدت عائلته أن محاميته أبلغتهم خلال زيارتها الأخيرة بأنه لم يعد قادراً على مضغ الطعام أو بلعه بشكل طبيعي، وأن وضعه الصحي “وصل إلى الصفر”، إضافة إلى تعرضه والأسرى لعمليات تفتيش عارية وإذلال أسبوعية، خاصة بحقه بسبب اعتباره أحد منفذي عملية النفق.
كما أوضحت العائلة أن نوعية الطعام وكمياته المقدمة للأسرى لا تزال سيئة وشحيحة، في ظل استمرار انقطاع المياه عنهم بشكل متكرر، فيما تحاول العائلة جاهدة تأمين مبلغ الغرامة المالية المفروضة عليه والبالغة 18 ألف شيقل، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية ويضاعف مخاوفها على مستقبله وحريته.
في عزل مجدو، لا تبدو المعاناة مجرد حرمان من الحرية وإنما سياسة متكاملة تستهدف كسر الإنسان نفسياً وجسدياً، عبر القمع والتجويع والعزل والتفتيش العاري والإذلال المتواصل.
وبين جدران الزنازين المغلقة، يعيش الأسرى ظروفاً قاسية تتجاوز قدرة أجسادهم المنهكة وأعمار بعضهم المتقدمة وأوضاعهم الصحية المتدهورة، فيما تبقى عائلاتهم معلّقة على زيارة محامٍ أو خبر مقتضب يطمئنهم بأن أبناءهم ما زالوا على قيد الحياة.
ورغم التعتيم المشدد والتضييق على نقل الحقيقة، فإن ما يخرج من شهادات الأسرى وعائلاتهم يكشف جانباً من واقع ثقيل يعيشه معتقلو العزل يومياً في ظل استمرار سياسات العقاب الجماعي والتنكيل بحقهم.
وبين خوف الأهالي وصمت الزنازين، تبقى كرامة الأسرى هدفاً دائماً لمحاولات القمع، فيما يواصل الأسرى صمودهم في مواجهة مرحلة توصف بأنها من الأقسى في تاريخ الحركة الأسيرة.




