تقارير وحوارات

بين السرطان والسجن.. أحمد نصر الله يصارع الألم خلف القضبان

بإرادته الحرة، وتحت مفهوم “الاعتقال الاحترازي”، كان الأسير أحمد عبد القادر نصر الله (40 عاماً) من طولكرم معتقلاً لدى السلطة؛ حمايةً له، لأن جسده المُثقل بالمرض لم يعد قادراً على احتمال اعتقال لدى الاحتلال، خاصة في ظل الظروف غير المسبوقة التي تشهدها السجون، ولإدراكه أن السجون لا توفر أي علاج مناسب لمرضه، وأنه قد يُعتقل لدى الاحتلال إن خرج لرؤية أطفاله وعائلته.
لم يستطع الأسير نصر الله إخفاء شوقه لرؤية أطفاله الثلاثة. فبعد خروجه من سجن السلطة للتوجه إلى تلقي علاجه المعتاد، وهو علاج مناعي بسبب إصابته بمرض السرطان، كانت القوات الخاصة بانتظاره. وما إن تمكن من رؤية أطفاله حتى داهمت قوات خاصة محيط منزله واعتقلته أمام أعينهم، تاركةً في ذاكرتهم صورة مؤلمة لاعتقال والدهم، وحسرةً في قلوبهم، وشعوراً قاسياً بالذنب، حتى بات لسان حالهم: “لو لم يأتِ أبي لرؤيتنا لما حدث له ذلك”.
بذلت زوجة الأسير أحمد نصر الله جهداً كبيراً، لا يعرف تفاصيله سوى أبنائها الثلاثة، في محاولة لاحتواء صدمتهم ومحو صورة اعتقال والدهم من ذاكرتهم، وإقناعهم بأنهم ليسوا سبباً فيما حدث. وفي قلبها ألمٌ من نوع آخر، فالسجون تشهد ظروفاً جحيمية، وزوجها لا يحتمل الاعتقال لدى الاحتلال، فجسده أنهكه المرض، والأخبار التي تصلها عن وضعه الصحي لا تبشر بالخير.
وفي تاريخ 30/11/2025، تفاجأت العائلة باعتقال قوات خاصة للأسير نصر الله، رغم ما يحمله جسده من ألم ومعاناة. وهو الآن محتجز في سجن مجدو. وتقول زوجته في حديثها لمكتب إعلام الأسرى:
“أحمد مريض بالسرطان، وقد خضع خلال 12 عاماً لثلاث عمليات جراحية صعبة بسبب المرض. ففي العملية الأولى استأصل الأطباء 80% من معدته، وفي الثانية استأصلوا أجزاءً من الكبد والأمعاء، أما العملية الثالثة فتم خلالها استئصال جزء من القولون. وبعدها تلقى العلاج الكيماوي، وكان جسده منهكاً ووزنه منخفضاً، قبل أن ينتقل إلى العلاج المناعي الذي بدأ معه وضعه الصحي يتحسن. لكن بعد اعتقاله تدهورت حالته الصحية بشكل كبير، وأصبح يعاني من الهزال وضعف السمع، وهو بحاجة إلى فحوصات دورية وعلاج خاص، وكل ذلك يصعب توفيره داخل سجون الاحتلال”.
وتمكن أحد المحامين من زيارة الأسير أحمد نصر الله، وأبلغ عائلته بأنه يعاني من آلام حادة في معدته منذ لحظة اعتقاله الأولى، وقد أجرى صورة طبقية، إلا أنه لا يعرف نتيجتها حتى الآن.
وكان الأسير أحمد نصر الله قد اعتُقل سابقاً لدى الاحتلال عام 2017، وأمضى حينها عامين وسبعة أشهر في الأسر. وخشية تكرار تجربة الاعتقال، وبسبب حالته الصحية، اختار الاعتقال لدى السلطة حمايةً له من الاعتقال لدى الاحتلال.
وتقول زوجته: “أحمد لا يزال موقوفاً ويُحاكم على قضية. الحياة صعبة جداً، ولدي أربعة أبناء أكبرهم يبلغ من العمر 12 عاماً، وما زالوا أطفالاً. ومع انقطاع رواتب الأسرى، التي هي حق لنا، يزداد الوضع سوءاً. نحن نطالب بحقنا كي تتوفر للأسير وأطفاله حياة كريمة، وحتى نستطيع توكيل محامين لمتابعة قضيته”.
ويبقى أكثر ما يؤلم زوجة الأسير أحمد نصر الله، كما هو حال عائلات الأسرى جميعاً، حرمانهم من زيارة أحبّتهم. وفي ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، فإن الأخبار التي تصل عن الأسير تأتي إما عبر أسرى محررين أو بعد جهد كبير في توكيل محامٍ لزيارته. وحتى هذه الأخبار تبقى غير كافية لعائلة أسير يعاني من أمراض خطيرة وإنهاك شديد، وتحتاج إلى معرفة أدق التفاصيل المتعلقة بوضعه الصحي.
وبقلقٍ بالغ، تنتظر زوجة الأسير أحمد نصر الله وأطفاله وعائلته لحظة حريته القريبة، وعودته إلى حياته الطبيعية، وشفاءه من المرض. فالترقب ينهك أرواحهم قبل أجسادهم، والأفكار المؤلمة تلاحق عائلات الأسرى، خاصة المرضى منهم، فيما يحاولون التمسك بالأمل وألّا يتوقعوا الأسوأ، على أمل أن يعود إليهم سالماً معافى.

زر الذهاب إلى الأعلى