الأسير عبد الباسط معطان.. حين يزرع السجن المرض في الجسد

حين نال الأسير عبد الباسط معطان (51 عاماً) من قرية برقا شرق رام الله حريته من اعتقاله الأخير، كانت لوحة الاعتقال الحالية التي يقاسيها الأسرى في سجون الاحتلال مرسومة بوضوح على جسده؛ مرسومة بريشة التعذيب والتنكيل: هزال شديد، شحوب في اللون، كدمات على يديه، ضعف في الذاكرة، وضعف في النظر، إضافة إلى مرض السرطان الذي أُصيب به سابقاً، والذي ساهمت اعتقالاته المتكررة في سجون الاحتلال في ترسيخه في جسده، وحالت دون اكتشافه في مراحله الأولى.
وبعد تحرره، بدأ الأسير معطان مرحلة من العلاج والتعافي، وكان جسده يستعيد شيئاً من صحته تدريجياً، لكن الاحتلال أعاد إليه كابوس الاعتقال مجدداً. ففي تاريخ 17/2/2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزله بعنف، وروّعت أبناءه، وكبّلت يديه، وأعادت ذاكرة الاعتقال إلى قلب زوجته، قبل أن تنقله إلى الأسر أمام أعين عائلته، التي كانت قد ذاقت مرارة الصبر الطويل حتى تحرره من جحيم السجون ومقابر الأحياء.
وعادت قصة الصراع مع الاعتقال لتغزو عائلة الأسير معطان من جديد؛ فزوجته الصابرة ستعود لاحتساب أيام اعتقاله، وأبناؤه سيعودون لانتظار عودته إلى أحضانهم. لكن هذه المرة، يتضاعف خوف العائلة على حياته، ليس فقط بسبب إصابته بالسرطان، بل أيضاً بسبب طبيعة المرحلة الاعتقالية القائمة حالياً داخل السجون.
فاليوم يدخل الأسرى إلى السجون أصحاء، ويخرجون بأجساد أنهكها المرض والتعب. فكيف بأسير مريض أساساً؟ إذ تصف شهادات الأسرى المحررين الأوضاع الاعتقالية الحالية بأنها «جحيم مطلق»؛ حيث لا يزال التجويع سياسة إعدام بطيئة يمارسها الاحتلال بحق الأسرى، إلى جانب الاقتحامات المتكررة للغرف، والاعتداءات، والشتائم المتواصلة. وكل ذلك يفوق قدرة أي أسير على الاحتمال، فكيف بأسير دخل السجن وهو يعاني المرض.
وعائلة الأسير معطان تعرف جيداً معنى الاعتقال؛ فهذا ليس الاعتقال الأول لأسيرها، إذ أمضى في سجون الاحتلال ما مجموعه 11 عاماً، لكن الاعتقالين الأخيرين يكادان يتوازيان في قسوتهما، بل ويفوقان سنوات اعتقاله السابقة كلها. كما أن حالة الطوارئ المفروضة داخل السجون تفرض تعتيماً معلوماتياً على أهالي الأسرى بشأن أوضاع أبنائهم، وعائلة معطان واحدة من هذه العائلات التي تبذل جهداً كبيراً لمعرفة أخباره عبر الأسرى المحررين وزيارات المحامين النادرة.
وتقول زوجة الأسير عبد الباسط معطان:
“زوجي اعتُقل دون أي تهمة. حين خرج من اعتقاله الأخير خلال حرب غزة، كان وضعه الصحي صعباً جداً، إذ فقد ما يقارب 40 كيلوغراماً من وزنه. واليوم نعلم أنه محتجز في سجن عوفر، وقد أبلغنا محاميه بأنه مصاب بمرض السكابيوس، وبأنه خسر خلال هذا الاعتقال أيضاً نحو 15 كيلوغراماً من وزنه”.
وخلال زيارة محاميه، أبلغ الأسير معطان أنه يطالب بالحصول على العلاج لأمراضه، إذ لم تسمح له قوات الاحتلال بأخذ أدويته عند اعتقاله، في وقت بات فيه الإهمال الطبي عنوان المرحلة الحالية داخل السجون، إلى جانب أنه لا توجد أي تهمة تستدعي استمرار اعتقاله.
وعقب اعتقاله، حوّل الاحتلال ملف الأسير معطان إلى الاعتقال الإداري، دون تقديم لائحة اتهام بحقه. وبات الاعتقال الإداري اليوم مقصلة إعدام بطيئة مسلطة على رقاب الأسرى، تمتد لسنوات أحياناً، في وقت يخشى فيه على الأسير معطان من استمرار اعتقاله، بينما لا يحتمل جسده البقاء خلف القضبان.
وأكدت عائلة الأسير معطان أن طبيعة الطعام داخل السجون، والبرد الشديد، والحالة النفسية القاسية التي يعيشها الأسرى، كلها عوامل ساهمت في تأسيس مرض السرطان لديه، إضافة إلى تأخر اكتشافه. وبذلك تكون سجون الاحتلال قد أورثت جسده هذا المرض بصورة تدريجية وبطيئة.
وتحتاج قضية الأسير عبد الباسط معطان إلى متابعة حثيثة من مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان، كما تحتاج عائلته إلى أن يعود إلى منزله سليماً معافى. وتؤكد العائلة أن السرطان ليس عدوه الوحيد داخل الزنزانة، بل إن الظروف الاعتقالية القاسية التي يعانيها الأسرى جميعاً هي ما تخشاه أكثر، خشية أن تؤدي إلى تدهور حالته الصحية بصورة أكبر.




