تقارير وحوارات

“الجسد نحيل والروح لم تنكسر”.. علي السمودي يخرج من “عتمة الزنازين” حاملاً وصايا الأسرى

بملامح أرهقها الغياب، وجسدٍ فقد الكثير من وزنه بفعل سياسة “التجويع الممنهج”، عانق الصحفي الفلسطيني المخضرم علي السمودي الحرية اليوم، بعد أشهر قضاها خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم تكن لحظة الإفراج مجرد عودة عادية، بل كانت صرخة إنسانية وثّقت فصلاً جديداً من معاناة الحركة الأسيرة.

لم تكن عودته إلى أزقة جنين مجرد خروج أسير، بل كانت انبعاثاً لشهادة حيّة من قلب ما وصفه بـ”المسلخ”، حيث لم يعد السجن مكاناً للاحتجاز، بل ساحة لإبادة الروح والجسد معاً.

وبمجرد وصوله، بدا السمودي في حالة صحية تستدعي رعاية فورية؛ شحوبٌ حاد بفعل الزنازين الانفرادية، وفقدان جسيم للوزن يعكس سياسة “التجويع الممنهج”. وبصوتٍ يغلفه الإرهاق ويملؤه الإصرار، قال السمودي: “الاحتلال يمارس حرب تجويع لم تعرفها الحركة الأسيرة منذ عام 1967؛ الأسير يدخل بوزن طبيعي ويخرج هيكلاً عظمياً. لقد فقدنا هويتنا الجسدية من شدة الهزال، فالطعام المقدم لا يكفي لغذاء طفل صغير، ونوعيته لا تصلح حتى للاستهلاك البشري، ونحن نبقى على قيد الحياة بأعجوبة.”

لم يتحدث السمودي عن ألمه الشخصي بقدر ما وصف الجحيم الذي يعيشه آلاف الأسرى خلفه، مؤكداً أن واقع السجون تحول في الآونة الأخيرة إلى “مقابر مظلمة”، وقال: “خرجت من السجن، لكنني تركت خلفي آلاف القلوب التي تموت في اليوم مائة مرة. الأسرى يعيشون مرحلة هي الأصعب في تاريخ القضية؛ عزل تام، وتنكيل لا يتوقف. رأيت أسرى يصرخون من الألم ولا يجدون حبة دواء واحدة، فالضرب أصبح روتيناً صباحياً ومسائياً يستهدف كرامة الأسير قبل جسده.”

السمودي، الذي ارتبط اسمه دائماً بتغطية الميدان، وكان شاهداً على استشهاد الزميلة شيرين أبو عاقلة، أكد أن اعتقاله كان محاولة فاشلة لإخفاء الحقيقة عن جنين، وقال: “الاحتلال يحاول كسر القلم عبر كسر الجسد. كنت في السجن أكتب بقلبي ما لم أستطع كتابته بقلمي، وكنت أسمع صرخات التعذيب في الزنازين المجاورة، فلا أملك إلا الأمل بأن الحقيقة لا يمكن أن تُسجن للأبد. الاحتلال واهم إن ظن أن الزنازين ستوقف رسالتنا.”

ولم يحمل السمودي معه فرحة الحرية، بل حمل ثقل الأمانة ووصايا الأسرى الذين وصفهم بأنهم “أمانة في أعناق الجميع”، مطالباً المؤسسات الدولية بالتحرك لوقف “حرب الإبادة الصامتة” وتسليط الضوء على المرضى والجرحى، وأضاف: “وصيتهم الوحيدة لي: لا تتركونا وحدنا، نحن نُقتل ببطء، والصمت الدولي يذبحنا أكثر من سياط السجان.”

خرج علي السمودي ليتنفس هواء جنين، لكن كلماته بقيت محبوسة في صدى الزنازين التي ترك فيها رفاق دربه ، وختم حديثه بتنهيدة طويلة وهو ينظر إلى السماء: “الآن فقط أستطيع التنفس، لكن أنفاسي ستبقى منقوصة ما دام هناك أسير واحد يئن خلف تلك الجدران. إلى متى سيظل العالم صامتاً أمام تحويل السجون إلى مسالخ للبشر؟

زر الذهاب إلى الأعلى