تقارير وحوارات

عائلة صوافطة… حين يصبح الأسر إرثًا يتناقله الأبناء

إنما تُعطى المعارك لأقوى المحاربين، وتخرج قصص الكفاح من بيوتٍ علّمت أبناءها حب البلاد وأحقيتهم بحياةٍ آمنة مستقرة.
فالطفل الذي وُلد في بيتٍ غابت عنه ضحكات والده وأحضانه، كبر ليعرف أن في هذه البلاد سجونًا تُخفي الآباء عن بيوتهم، ليس أي آباء، بل الصادقين منهم والمضحّين. هنا، لا يورّث الأب أبناءه دنيا، بل يورّثهم فداءً وكرامة.
في محافظة طوباس، تعيش عائلة صوافطة ثلاثية ألمٍ معقّدة؛ أبٌ وابنان غابت ملامح حضورهم عن المنزل، وعلى الجانب الآخر زوجةٌ تنتظر منذ سنوات أن يزور الاستقرار بيتها ولو لعامٍ واحد، وطفلةٌ صغيرة جاءت إلى الدنيا ولا تعرف ملامح والدها إلا عبر الصور.
سجونٌ متفرقة، وسنواتٌ مسروقة، وعمرٌ يضيع بين الشوق والحنين.
ثمانية عشر عامًا متفرقة أمضاها الأسير نادر صوافطة (52 عامًا) في سجون الاحتلال، عانت خلالها العائلة بصبرٍ كبير. وتحدّث مكتب إعلام الأسرى إلى زوجته، لرواية معاناة ثلاثة أسرى من منزلٍ واحد، ونقل صورةٍ حيّة عن وجعٍ ممتد ومتجدد.
تروي زوجته حكايةً قديمة تتكرر اليوم بصورةٍ أكثر قسوة، وتقول:
“بعد عشرين يومًا فقط من زواجنا، اعتقل الاحتلال زوجي، وكنت حينها حاملًا بابني البكر معاذ (23 عامًا). أمضى زوجي في ذلك الاعتقال ثلاث سنواتٍ ونصف، وكان معاذ في الثانية والنصف من عمره حين نال والده الحرية. وُلد ووالده في الأسر، لكننا تمكّنا لاحقًا من زيارته، فرأى معاذ وتعرّف إلى ملامحه.
اليوم تتكرر الحكاية مع ابنتي سما. ففي 29/10/2023 اعتُقل زوجي مجددًا، وكنت حينها حاملًا بسما في شهري الخامس. وُلدت سما ووالدها في الأسر، واليوم تبلغ عامين من عمرها، لكن الألم هذه المرة أكبر؛ إذ تُمنع الزيارات، ولا تعرف سما والدها إلا من خلال الصور. نحاول إبقاءه حاضرًا في ذاكرتها، بينما هو لا يعرف حتى الآن ملامح طفلته”.
أما معاذ، الذي وُلد ووالده في الأسر، فقد كبر ليصبح طالبًا في كلية الهندسة بإحدى الجامعات التركية. أنهى ثلاث سنوات دراسية، وحين عاد إلى فلسطين في إجازة بين الفصلين، وتهيأ للعودة إلى جامعته، اعتقله الاحتلال على الجسر بتاريخ 5/9/2024.
وهكذا تكررت الحكاية ذاتها؛ تجربة الاعتقال الأولى لمعاذ، الذي لا يزال موقوفًا حتى اليوم في سجن جلبوع، ويعاني، كسائر الأسرى، من مرض السكابيوس، ومن القمع المتواصل داخل السجن.
ولم تتوقف خارطة الألم عند معاذ، بل امتدت إلى شقيقه الأصغر مازن (18 عامًا)، الذي كان يستعد لامتحانات الثانوية العامة التجريبية حين اعتقله الاحتلال بتاريخ 8/4/2025، ليحرمه من إكمال مرحلة مفصلية في حياته.
اعتُقل مازن أمام أعين والدته، بعد أن داهمت قوات الاحتلال المنزل وتعاملت معه بعنفٍ رغم حداثة سنه، ولم تسمح لوالدته بوداعه أو الحديث معه.
لاحقًا، حُوّل إلى الاعتقال الإداري، وجُدد اعتقاله أربع مرات حتى اليوم.
وتقول والدته إن خوفها على مازن يفوق خوفها على زوجها ومعاذ، لأنه يخوض تجربة الأسر للمرة الأولى، وفي واحدةٍ من أسوأ المراحل التي تمر بها الحركة الأسيرة.
ويقضي مازن اعتقاله حاليًا في سجن النقب، حيث عانى، كغيره من الأسرى، من مرض السكابيوس والقمع المستمر.
أما الوالد، نادر صوافطة، فيخوض اعتقالًا إداريًا مفتوحًا منذ اعتقاله عقب حرب السابع من أكتوبر، وهو ليس الاعتقال الأول في حياته.
وتقول زوجته:
“بدأت اعتقالاته منذ التسعينيات، وكان لا يزال شابًا في مقتبل العمر. وإذا نظرتم إلى سجلات الصليب الأحمر، ستجدون أن أبا معاذ كان يعتقل كل عام تقريبًا، إما في بدايته أو نهايته. نسأل الله له العوض ولنا الصبر والأجر. أما اعتقاله الأخير بعد الحرب، فقد كان وحشيًا”.
وتحفظ أم معاذ تفاصيل اعتقالات زوجها المتكررة، والتي بلغت اثني عشر اعتقالًا، إلا أن الألم اليوم مضاعف باعتقال زوجها ونجليها معًا.
ويقبع نادر حاليًا في سجن نفحة، وسط ظروفٍ قاسية، إذ يعاني آلامًا في الظهر والأسنان، وأصيب بمرض السكابيوس، كما فقد نحو 45 كيلوغرامًا من وزنه.
وتتابع أم معاذ صور الأسرى المحررين الخارجين من السجون، وتدرك أن زوجها ونجليها سيخرجون يومًا بملامح أنهكها التعب والتعذيب.
وتقول:
“كل أسير محرر كنت أسأله عن زوجي، كان يتعرف إليه بالاسم لا بالصورة، وهذا دليل على أن ملامحه تغيّرت بالكامل. نحن نعيش حالة ترقب دائمة في ظل الأخبار القادمة من السجون وحديث الإعدام. الأسرى يعيشون قرار الإعدام حتى قبل صدوره، ونعرف أنهم مشاريع شهادة. الأيام تمر علينا وعليهم ببطءٍ لا يعرفه إلا من ذاقه”.
وتؤكد زوجة الأسير نادر صوافطة أن زيارات المحامين لا تنقل الصورة الكاملة، بسبب الرقابة المشددة التي تفرضها إدارة السجون على الأسير والمحامي معًا، فضلًا عن القمع والتنكيل الذي يتعرض له الأسرى خلال الزيارات وقبلها وبعدها.
ورغم كل ذلك، تقول إنهم يتمسكون بالأمل، ويؤمنون بأن الأسرى يحوّلون محنتهم إلى منحة، ويقضون أوقاتهم بالصبر والعبادة والذكر وحفظ القرآن.
اليوم، تعيش أم معاذ انتظارًا ثلاثيًّا لا تعرف كيف توزّع فيه وجع قلبها؛
هل تنشغل بزوجها الذي سُلب عمره خلف القضبان؟
أم بابنها معاذ الذي تُسرق سنوات شبابه ودراسته بين المحاكم والسجون؟
أم بابنها مازن الذي خسر عامًا دراسيًا مصيريًا وهو لا يزال في مقتبل العمر؟
أم بطفلتها سما، التي ستكبر على صور والدها وحكايات شقيقيها، وعلى معركة أمها اليومية مع الوقت والذاكرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى