
تندرج غالبية حالات الاعتقال في سجون الاحتلال ضمن سياسة تكميم الأفواه؛ فكل من يعبّر عن رأيه على مواقع التواصل الاجتماعي يصبح عرضة للاستهداف بالاعتقال أو التهديد العلني. وباتت حرية التعبير في فلسطين أقرب إلى مصطلح نظري لا يجد تطبيقاً على أرض الواقع. فكل من يحاول ممارسة دور إعلامي أو صحفي، حتى لو لم يكن متخصصاً، يكون مصيره في كثير من الأحيان الاعتقال، فكيف الحال بالصحفيين المعترف بهم في مؤسساتهم وأماكن عملهم وفي الميدان؟
هؤلاء، وبحسب إحصائيات مؤسسات الأسرى، وصل عددهم إلى أكثر من 40 صحفياً وصحفية تغيبهم سجون الاحتلال، وتكمم أفواههم، وتصادر معداتهم الصحفية.
وتؤكد تقارير منظمة مراسلون بلا حدود أن حرية الصحافة في العام 2026 وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً، وتشير إلى أن فلسطين أصبحت أخطر مكان في العالم على العاملين في المجال الإعلامي، حيث استشهد 260 صحفياً في غزة منذ حرب السابع من أكتوبر، 70% منهم قتلهم الاحتلال بسبب عملهم الصحفي. ومنذ بداية العام 2026 سُجلت 22 حالة اعتقال في صفوف الصحفيين، وفقاً لتوثيق لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين. وتوزعت هذه الاعتقالات بين مداهمات للمنازل، واعتقالات على الحواجز العسكرية، وأخرى أثناء أداء الصحفيين لواجبهم المهني.
كل هذه الأرقام تعكس واقعاً من الانتهاكات وانعدام حرية التعبير عن الرأي، في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بما يعرف باليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق الثالث من أيار/مايو من كل عام، والذي أقرته الأمم المتحدة منذ عام 1993. واليوم، لم تعد الاعتقالات تطال الصحفيين فقط، بل امتدت إلى الصحفيات أيضاً، في ظل غياب أي تطبيق فعلي للمواثيق الدولية وحقوق الإنسان التي تكفل للصحفي حقه في ممارسة عمله بحرية وتحت حماية دولية.
الصحفيات في الأسر
حتى اليوم يعتقل الاحتلال في سجونه أربع صحفيات، كما تخضع أسيرتان لما يعرف بسياسة الحبس المنزلي، في واحدة من أدوات الملاحقة التي يستخدمها الاحتلال ضد حرية التعبير، بهدف كتم الأصوات والحناجر الحرة، وكسر شوكة الجسم الصحفي الفلسطيني. فالصحفيات الأسيرات يواجهن معاملة قاسية داخل السجون من تنكيل وتجويع، لا تقل عن معاناة باقي الأسيرات، فيما يتعامل الاحتلال مع عملهن الصحفي باعتباره جريمة، ويخضعهن للتحقيق فقط بسبب ممارستهن للمهنة.
الأسيرة الصحفية فرح أحمد أبو عياش (26 عاماً) من بلدة بيت أمر قضاء الخليل، ذكرت في مقابلتها مع محامي الأسيرات حسن عبادي أنه جرى استهدافها بشكل خاص خلال اعتقالها بسبب عملها الصحفي، إضافة إلى تفتيش هاتفها. كما تعرضت لجملة من الانتهاكات منذ اللحظة الأولى لاعتقالها، حيث أُحكمت الأربطة البلاستيكية على يديها حتى تورمت، ثم أطلقت الكلاب البوليسية نحوها ونهشت ملابسها، وتعرضت للضرب وإجبارها على تقبيل علم الاحتلال، رغم أن كل ما قامت به كان ممارسة عملها الصحفي.
وأمضت فرح أبو عياش 55 يوماً قبل نقلها إلى سجن الدامون، ووصفت مركز تحقيق المسكوبية بأنه أشبه بفيلم رعب، حيث وُضعت في غرفة مهجورة مليئة بالحشرات، تفتقر إلى الضوء والهواء، ولا تزال حتى اليوم موقوفة في سجن الدامون.
أما الأسيرة بشرى جمال الطويل (32 عاماً) من رام الله، فهي صحفية أخرى يغلق السجن أبوابه على حريتها. اعتُقلت الطويل بتاريخ 5/2/2026 أثناء مرورها على حاجز عسكري، وبعد أيام من اعتقالها حُوّل ملفها إلى الاعتقال الإداري وصدر بحقها أمر اعتقال لمدة أربعة أشهر. وكانت الطويل قد نالت حريتها من اعتقال سابق قبل فترة قصيرة من اعتقالها الحالي، وقالت حينها إن سجن الدامون عبارة عن “مقبرة للأحياء”، وإن الأسيرات معزولات عن العالم بشكل كامل.
وتعد بشرى الطويل إحدى الصحفيات اللواتي يلاحق الاحتلال حريتهن وعملهن الصحفي بشكل متكرر، إذ أمضت في سجون الاحتلال أكثر من خمس سنوات على مدار أربعة اعتقالات متفرقة، فقط بسبب عملها الصحفي المهني. واليوم تواجه مجدداً ملف اعتقال إداري مفتوحاً بلا سقف زمني، في واحدة من أسوأ مراحل الاعتقال التي تمر بها الحركة الأسيرة.
صحافة الحبس المنزلي
ويمارس الاحتلال سياسة خاصة ضد الصحفيين الفلسطينيين تتمثل في الحبس المنزلي، حيث تخضع صحفيتان لهذه السياسة التي لا تستهدف فقط عملهما الصحفي، بل أيضاً حقهما في حياة اجتماعية مستقرة.
ومن بينهن الصحفية سمية جوابرة من مدينة نابلس، وهي أم لأربعة أطفال، تعيش تحت قيود الحبس المنزلي منذ أكثر من عامين، بعد أن اعتُقلت وهي حامل في شهرها السابع، ثم أُفرج عنها بشروط صارمة تتضمن الحبس المنزلي وغرامة مالية في حال خرق شروط الإفراج. وتعيش جوابرة حالة دائمة من عدم الاستقرار، إذ يطارد الاعتقال تفاصيل حياتها وحياة أبنائها، وسط غموض يحيط بملفها القانوني ومخاوف مستمرة من إعادة اعتقالها.
كما تعاني الصحفية المقدسية بيان الجعبة من قرار حبس منزلي صدر بحقها منذ شباط/فبراير 2025، عقب اعتقالها من داخل المسجد الأقصى، وهي تنتظر خلال أيام جلسة محكمة جديدة بتاريخ 10/5/2026 للنظر في قضيتها، في ظل اتهامات بالتحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
شهادات محررين
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أقدم الاحتلال على اعتقال أكثر من 220 صحفياً وصحفية، في ظروف توصف بأنها الأسوأ في تاريخ الحركة الأسيرة.
الصحفي علي السمودي من جنين تحرر قبل أيام من سجون الاحتلال بعد اعتقال إداري دام عاماً كاملاً، وخرج بملامح أنهكها الاعتقال والتجويع بصورة صادمة، بعدما انخفض وزنه من 120 كيلوغراماً إلى 60 فقط، في ظل سياسة التجويع التي تنتهجها إدارة السجون. وأكد عقب تحرره أن ما يعيشه الأسرى داخل السجون هو “جحيم حقيقي”، داعياً إلى عدم ترك الأسرى وحدهم في مواجهة آلة القمع.
كما نال الصحفي سامر خويرة من نابلس حريته مطلع هذا العام بعد اعتقال دام تسعة أشهر، ولم يتمالك دموعه عقب الإفراج عنه، قائلاً إن الأسرى “منسيون وأموات داخل السجون”، مؤكداً أن ما يجري بعد السابع من أكتوبر يفوق الوصف من ضرب وإهانة وتجويع، حتى بات الطعام بالنسبة للأسرى مجرد حلم، وأن ساعة واحدة داخل السجن تعادل ثلاثين عاماً.
أما الصحفي الأسير من غزة محمد أبو عرب، فقد نقل محاميه خالد زبارقة عنه قوله إن الاحتلال يتعامل مع الصحفي كأنه “قائد ميداني، وربما أخطر، لأن الكلمة تفضحهم أكثر من الرصاص”، موضحاً أن التحقيق معه تركز بشكل أساسي على تغطيته الإعلامية للعدوان على غزة، وكيف تحولت كاميرته في نظر الاحتلال إلى “أداة تحريض”.
بدوره، قال المحرر الصحفي خضر عبد العال عقب تحرره إن “الكلمة مصادرة في السجون كما الجسد مصادر بالاعتقال”، مشيراً إلى أن الصحفيين الأسرى كانوا يحاولون ممارسة حقهم في التعبير حتى داخل الزنازين، عبر الكتابة على الجدران، ورسم الكاميرات، واستحضار أسماء زملائهم الشهداء.
كما روى المحرر الصحفي أحمد شقورة، عقب الإفراج عنه، أن ما يجري بحق الصحفيين الأسرى يمثل تجاوزاً صارخاً لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحفيين في مناطق النزاع.
ولا يزال عدد غير معلوم من صحفيي غزة رهن الاعتقال والإخفاء القسري داخل سجون الاحتلال، في ظل غياب أي معلومات واضحة عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة للمطالبة بحريتهم العاجلة. فالصحفيون اختاروا مهنتهم لنقل حقيقة معاناة شعبهم إلى العالم، فيما يؤكد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف أن الصحفيين في مناطق النزاع يُعدّون مدنيين، ولا يجوز استهدافهم أو المساس بمعداتهم الصحفية أو سلامتهم النفسية. إلا أن الاحتلال تجاوز كل هذه القوانين، واتجه إلى اعتقالات تعسفية بلا سقف زمني، تستند في غالبيتها إلى ملفات سرية وذرائع فضفاضة.




